فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 2234

وهناك دراسات قرآنية أخرى كثيرة كتب عنها العلماء مثل قصص القرآن

والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ وغيرهما مما ذكرناه في هذا البحث أو لم نذكره، وقد اكتفينا بذكر بعض علوم القرآن لأنها يمكن أن تقدم صورة للنشاط الفكري العظيم الذي أثاره القرآن الكريم، وتصور خطوطا عامّة للجهود العلمية التي بذلها العلماء وهكذا نشأت علوم القرآن، وظهرت مؤلفات في كل نوع منها، مما يروعك تصوّره بله الاطلاع عليه، ومما يملأ خزائن كاملة من أعظم المكتبات في العالم. ثم لا يزال المؤلفون إلى عصرنا هذا يزيدون، وعلوم القرآن ومؤلفاته تنمي وتزدهر وتزيد، بينما الزمان يفنى والعالم يبيد! أليس إعجازا آخر للقرآن؟ يريك إلى أي حد بلغ علماء الاسلام في خدمة التنزيل. ويريك أنه كتاب لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي معارفه، ولن يستطيع أن يحيط بأسراره إلا صاحبه ومنزّله.

وتزداد عجبا إذا علمت أن طريقة أولئك المؤلفين في تأليفهم، كانت طريقة استيعاب واستقصاء، يعمد أصحابها أن يحيطوا بجزئيات القرآن من الناحية التي كتبوا فيها بقدر طاقتهم البشرية. فمن يكتب في «غريب القرآن» مثلا يذكر كل مفرد من مفردات القرآن التي فيها غرابة وإبهام، ومن يكتب في «مجاز القرآن» يقتفي أثر كل لفظ فيه مجاز أيّا كان نوعه في القرآن، ومن يكتب في «أمثال القرآن» يتحدّث عن كل مثل ضربه الله في القرآن، وهكذا سائر أنواع علوم القرآن ولا ريب أن تلك المجهودات الجبارة لا يتهيّأ لإنسان أن يحيط بها ولو أفنى عمره، واستنفد وسعه!.

اشرأبّت أعناق العلماء أن يعتصروا من تلك العلوم علما جديدا يكون جامعا لها، ودليلا عليها، ومتحدّثا عنها، فكان هذا العلم هو ما نسميه «علوم القرآن» بالمعنى المدوّن.

ولا نعلم أن أحدا قبل المائة الثالثة للهجرة ألّف أو حاول أن يؤلف في علوم القرآن بالمعنى المدوّن، لأن الدواعي لم تكن موفورة لديهم نحو هذا النوع من التأليف. وإن كنا نعلم أنها كانت مجموعة في صدور المبرّزين من العلماء على الرغم من أنهم لم يدوّنوها في كتاب، ولم يفردوها باسم.

أجل: كانت علوم القرآن مجموعة في صدور المبرّزين من العلماء فنحن نقرأ في

تاريخ الشافعي رضي الله عنه أنه في محنته التي اتّهم فيها بأنه رئيس حزب العلويين باليمن وسيق بسبب هذه التهمة إلى الرشيد مكبّلا بالحديد في بغداد سأله الرشيد حين لمح علمه وفضله، فقال: كيف علمك يا شافعي بكتاب الله عز وجل؟ فإنه أولى الأشياء أن يبتدأ به. فقال الشافعي: عن أي كتاب من كتب الله تسألني يا أمير المؤمنين؟ فإن الله تعالى قد أنزل كتبا كثيرة. قال الرشيد: قد أحسنت، لكن إنما سألت عن كتاب الله المنزل على ابن عمي محمد صلّى الله عليه وسلّم. فقال الشافعي: إن علوم القرآن كثيرة فهل تسألني عن محكمه ومتشابهه، أو عن تقديمه وتأخيره، أو عن ناسخه ومنسوخه، أو عن أو عن؟؟ وصار يسرد عليه من علوم القرآن، ويجيب على كل سؤال بما أدهش الرشيد والحاضرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت