ويكفي للدلالة على خصوبة النتاج العلمي في هذا العصر ما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) في كتابه «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة» حيث بلغ ما عدّه من الأعيان أكثر من خمسة آلاف عالم من أمثال ابن تيمية (ت 728هـ) والمزّي (ت 742هـ) وأبي حيان (ت 745هـ) والذهبي (ت 748هـ) وابن القيم (ت 751هـ) ومغلطاي (ت 762هـ) واليافعي (ت 768هـ) وجمال الدين الإسنوي (ت 772هـ) وابن كثير (ت 774هـ) وابن قدامة المقدسي (ت 780هـ) وشهاب الدين الأذرعي (ت 783هـ) والكرماني (ت 786هـ) والتفتازاني (ت 791هـ) وابن رجب الحنبلي (ت 795هـ) وسراج الدين البلقيني (ت 805هـ) وزين الدين العراقي (ت 806هـ)
هذه هي البيئة السياسية والعلمية التي كان الإمام الزركشي يعيش فيها، وما من شك في أن هذه البيئة كان لها أثر في تكوين شخصيته العلمية.
ولد الزركشي في القاهرة عام (745هـ) [1] من أسرة تركية، وكان أبوه مملوكيا، تعلّم في حداثته صناعة الزركش ثم توجه في صغره لطلب العلم مخلصا في طلبه، جادّا فيه، فصادف بيئة علمية عامرة بالمدارس والعلماء، زاخرة بدور الكتب الخاصة والعامّة، حافلة بالمساجد الغاصّة بطلاب العلم والمعرفة الوافدين من شتى البلاد إلى مصر للاستفادة من علمائها، فانتظم في حلقات الدروس، وحفظ كتاب «المنهاج» [2] للإمام النووي وهو كتاب في الفقه الشافعي، وصار يلقب بالمنهاجي نسبة إليه.
ولازم حلقة الشيخ جمال الدين الإسنوي [3] (ت 772هـ) في المدرسة الكاملية، وكان الإسنوي رئيس الفقهاء الشافعية بالديار المصرية فنهل من علمه، وكان من أنجب تلاميذه وأذكاهم، كما لازم الشيخ سراج الدين البلقيني [4] (ت 805هـ) والحافظ
(1) قال الحافظ ابن حجر في إنباء الغمر 3/ 139: رأيت بخطه أنه ولد سنة خمس وأربعين وسبعمائة.
(2) كتاب «منهاج الطالبين وعمدة المفتين» للإمام النووي، يحيى بن شرف (ت 677هـ) وهو مختصر محرّر في فروع الشافعية مشهور ومتداول اعتنى به الشافعية حفظا وشرحا طبع بمصر 1297هـ / 1878م في (155) صفحة، وطبع بالمطبعة الميمنية في مصر 1305هـ / 1886م وفي المطبعة الجمالية في مصر 1329هـ / 1310م في (146) صفحة. وطبع مع ترجمة باللغة الفرنسية بأسفل صحائفه للمستشرق فون دنبرج في ليدن 1301هـ / 1882م. وطبع بالمطبعة الميمنية في مصر وبهامشه «منهج الطلاب» للشيخ زكريا الأنصاري 1308هـ / 1889م في (139) صفحة، وطبع في مصر 1314هـ / 1895م وفي مكة 1306هـ / 1887م. وطبع بمطبعة عيسى الحلبي في مصر وبهامشه متن «المنهج» لزكريا الأنصاري 1361هـ / 1940م في (160) صفحة. وصوّر بدار المعرفة في بيروت 1401هـ / 1981م.
(3) هو الإمام عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي، جمال الدين، أبو محمد فقيه أصولي من علماء العربية ولد بإسنا وانتقل إلى القاهرة (721هـ) انتهت إليه رئاسة الشافعية فيها. من كتبه «المبهمات على الروضة» (ت 227هـ) (البدر الطالع 1/ 352) .
(4) هو الإمام عمر بن رسلان بن نصير، سراج الدين أبو حفص البلقيني المجتهد الحافظ للحديث. ولد في بلقينة من غربية مصر وتعلم بالقاهرة وولي قضاء الشام (769هـ) وتوفي بالقاهرة (805هـ) (الضوء اللامع 6/ 85) .