الهمة في هذا النشر يصحّ أن نعتبرها تمهيدا لتدوينها. وعلى رأس من ضرب بسهم وفير في هذه الرواية: الأربعة الخلفاء، وابن عباس، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير. وكلهم من الصحابة رضوان الله عليهم. وعلى رأس التابعين في تلك الرواية: مجاهد، وعطاء، وعكرمة، وقتادة، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وزيد بن أسلم بالمدينة، وعنه أخذ ابنه عبد الرحمن ومالك بن أنس من تابعي التابعين، رضي الله عنهم أجمعين. وهؤلاء جميعا يعتبرون واضعو الأساس لما يسمى «علم التفسير» ، و «علم أسباب النزول» ، و «علم الناسخ والمنسوخ» ، و «علم غريب القرآن» ، ونحو ذلك.
ثم جاء عصر التدوين، فألفت كتب في أنواع علوم القرآن، كل علم منها على حدة، واتجهت الهمم قبل كل شيء إلى التفسير [1] ، باعتباره أمّ العلوم القرآنية لما فيه من التعرّض لها، في كثير من المناسبات عند شرح الكتاب العزيز.
اختص عدد من الصحابة بفقه القرآن وعلم تفسيره، وقد نقلت كتب الأحاديث روايات كثيرة منسوبة إلى الخلفاء الراشدين وكثير من الصحابة في تفسير بعض الآيات سماعا عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم فقد وصف الإمام عليّ بأنه أقرأ من حفظ القرآن وأنه ما في الأرض أعلم منه لكتاب الله ولن نقف عند الجيل الأول من الصحابة كلّه إنما نكتفي بذكر الصحابي ابن عباس الذي ترأس فيما بعد مدرسة من كبار التابعين الذين تتلمذوا عليه وأخذوا عنه.
ولابن عباس تفسير مشهور شرحه الفيروزآبادي (ت 817هـ) باسم «تنوير المقباس من تفسير ابن عباس» ولكنه يبدو مختصرا فيما ينقل عنه مقارنة بالروايات المنسوبة إليه في كتب التفاسير الأخرى مع ما في بعضها من وضع أو زيادة فإننا نستطيع أن نجد تفسيره مبثوثا في كتب التفاسير المتأخرة «كتفسير الطبري» الذي ينقل روايات تلاميذه عنه. ويرى الأستاذ فؤاد سيزكين أنه من الممكن إعادة تكوين تفسير ابن
(1) انظر تاريخ التراث العربي لسزكين 1/ 119، والتفسير والمفسّرون للذهبي، وتاريخ التفسير للقيسي.