وأما بالقرآن على ما ظنه كثير من المفسرين فليس بنسخ وإنما هو نسأ وتأخير، أو مجمل أخّر بيانه لوقت الحاجة، أو خطاب قد حال بينه وبين أوله خطاب غيره أو مخصوص من عموم، أو حكم عام لخاصّ أو لمداخلة معنى في معنى. وأنواع الخطاب كثيرة فظنوا ذلك نسخا وليس به، وأنه الكتاب المهيمن على غيره، وهو في نفسه متعاضد، وقد تولى الله حفظه فقال تعالى: {إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ} (الحجر: 9) .
النوع الخامس والثلاثون [1]
معرفة موهم المختلف
وهو ما يوهم التعارض بين آياته [2] ، وكلام الله جلّ جلاله منزّه عن الاختلاف كما قال تعالى: {وَلَوْ كََانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللََّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلََافًا كَثِيرًا} (النساء: 82) ، ولكن قد يقع للمبتدئ ما يوهم اختلافا وليس به، فاحتيج لإزالته، كما صنّف في «مختلف الحديث» وبيان الجمع بينهما، وقد رأيت لقطرب [3] فيه تصنيفا حسنا، جمعه على السور. وقد تكلّم فيه الصدر الأول، ابن عباس [4] وغيره.
وقال الإمام: وقد وفّق الحسن البصريّ بين قوله تعالى: {وَإِذْ وََاعَدْنََا مُوسى ََ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} (البقرة: 51) ، [5] [وقوله: وَوََاعَدْنََا مُوسى ََ ثَلََاثِينَ لَيْلَةً] } [5] وَأَتْمَمْنََاهََا بِعَشْرٍ
(1) للتوسع في النوع انظر: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة، باب التناقض والاختلاف ص 65، وكشف الظنون لحاجي خليفة 2/ 1695علم مشكل القرآن، و 1/ 757علم دفع مطاعن القرآن ومفتاح السعادة لطاش كبري زادة 2/ 407علم معرفة مشكل القرآن وموهم الاختلاف والتناقض. أبجد العلوم للقنوجي 2/ 511علم معرفة مشكل القرآن وموهم الاختلاف والتناقض.
(2) في المخطوطة (آية) .
(3) هو محمد بن المستنير، أبو علي النحوي المعروف ب: قطرب. لازم سيبويه وكان يدلج إليه، فإذا خرج رآه على بابه. وأخذ عن عيسى بن عمرو كان يرى رأي المعتزلة النظّامية واتصل بأبي دلف العجلي وأدّب ولده. وله من التصانيف * «الرد على الملحدين في متشابه القرآن» ت 206هـ (معجم الأدباء 19/ 53) ، وكتابه «الرد على الملحدين» ذكره ابن النديم في الفهرست ص 41في الكتب المؤلفة في معاني شتى من القرآن، فقال: (كتاب قطرب فيما سأل عنه الملحدون من آي القرآن) ، وذكره القفطي في إنباه الرواة 3/ 220ضمن ترجمته.
(4) وذلك ما جاء في صحيح البخاري 8/ 555كتاب التفسير (65) ، باب سورة حم السجدة (41) وفيه:
(قال المنهال عن سعيد قال، قال رجل لابن عباس إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي) وذكر الحديث إلى أن قال ابن عباس رضي الله عنه: (فلا يختلف عليك القرآن فإن كلا من عند الله) .
(5) ساقط من المخطوطة.