وأما التأبيد فلا يدل على الدّوام، تقول: زيد يصوم أبدا، ويصلي أبدا وبهذا يبطل تعلّق المعتزلة بأن «لن» تدل على امتناع الرؤية [1] ولو نفي ب «لا» لكان لهم فيه متعلق إذ لم يخصّ بالكتاب أو بالسنة، وأما الإدراك الذي نفي ب «لا» فلا يمنع من الرؤية لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم «إنّكم ترون ربكم» [2] ، ولم يقل: «تدركون ربكم» ، والعرب تنفي المظنون ب «لن» [3] والمشكوك ب «لا» .
وممن صرح بأن التأبيد عبارة عن الزمن الطويل لا عن الذي لا ينقطع ابن الخشاب [4] .
وقد سبق مزيد كلام فيها في فصل التأكيد [5] وأدواته. قيل: وقد تأتي للدعاء كما أتت «لا» لذلك، ومنه قوله تعالى: {قََالَ رَبِّ بِمََا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ}
(القصص: 17) .
ومنعه آخرون، لأن فعل الدعاء لا يسند إلى المتكلم بل إلى المخاطب والغائب، نحو: يا رب لا عذبت فلانا! ونحوه: لا عذب الله عمرا.
للاستدراك مخففة ومثقّلة وحقيقته رفع مفهوم الكلام السابق، تقول: ما زيد شجاعا ولكنه [6] كريم، فرفعت ب «لكن» ما أفهمه الوصف بالشجاعة من ثبوت الكرم له، لكونهما
(1) انظر «الكشاف» 2/ 9089عند تفسير سورة الأعراف، فقد ذكر استدلال المعتزلة على نفي الرؤية، وانظر «مغني اللبيب» 1/ 284حرف اللام لن، حيث رد قول الزمخشري وما فيه من استدلال المعتزلة.
(2) قطعة من حديث متفق عليه من رواية جرير بن عبد الله رضي الله عنه، أخرجه البخاري في الصحيح 2/ 33 كتاب مواقيت الصلاة (9) ، باب فضل صلاة العصر (16) ، الحديث (554) ، وأخرجه مسلم في الصحيح 1/ 439كتاب المساجد (5) ، باب فضل صلاتي الصبح والعصر (37) ، الحديث (211/ 633) .
(3) في المخطوطة (العرب تنفي المظنون ب «لا» ) .
(4) هو عبد الله بن أحمد تقدم التعريف به في 1/ 163، وفي المخطوطة عقب ذكر ابن الخشاب زيادة عبارة غير واضحة (في كتاب السون) .
(5) تصحفت في الأصول إلى (التأبيد) ، والصواب ما أثبتناه (التأكيد) حيث ذكره الزركشي في النوع السادس والأربعين 2/ 518516ضمن كلامه عن أساليب القرآن وفنونه البليغة، ومنها الأسلوب الأول التأكيد، ثم ذكر أدوات التأكيد وقال: (رابعا «لن» ) .
(6) عبارة المطبوعة (ولكنه غير كريم) .