يخاطبها بغير واسطة لتفوز بشرف المخاطبة إذ ليس من الفصيح أن يقول الرسول [1] للمرسل إليه قال لي المرسل: قل كذا وكذا ولأنه لا يمكن إسقاطها فدل على أن المراد بقاؤها، ولا بدّ لها من فائدة، فتكون أمرا من المتكلّم للمتكلّم بما يتكلم به أمره شفاها [2] بلا واسطة كقولك لمن تخاطبه: افعل كذا.
ويصحّ ذلك تبعا لموجود، كقوله تعالى:
{يََا بَنِي آدَمَ} (الأعراف: 26) فإنه خطاب لأهل ذلك الزمان، ولكلّ من بعدهم، وهو على نحو ما يجري من الوصايا في خطاب الإنسان لولده وولد ولده ما تناسلوا، بتقوى الله وإتيان طاعته. قال الرمّاني [3] في «تفسيره» : وإنما جاز خطاب المعدوم لأن الخطاب يكون بالإرادة للمخاطب دون غيره، وأما قوله تعالى: {كُنْ فَيَكُونُ} (النحل: 40) فعند الأشاعرة أن وجود العالم حصل بخطاب «كن» .
وقالت الحنفية: التكوين أزليّ قائم بذات البارئ سبحانه، وهو تكوين لكل جزء من أجزاء العالم عند وجوده، لا أنه يوجد عند «كاف ونون» . وذهب فخر الإسلام شمس الأئمة [4]
منهم إلى أنّ خطاب «كن» موجود عند إيجاد كل شيء، فالحاصل عندهم في إيجاد الشيء شيئان: الإيجاد [117/ ب] وخطاب «كن» .
واحتج الأشاعرة بظاهر قوله تعالى: {إِنَّمََا قَوْلُنََا لِشَيْءٍ إِذََا أَرَدْنََاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (النحل: 40) [وقوله: {إِنَّمََا أَمْرُهُ إِذََا أَرََادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} ] [5]
(1) في المخطوطة (المرسل) .
(2) اضطربت الكلمة في المخطوطة.
(3) هو علي بن عيسى بن علي، أبو الحسن الرمّاني تقدم التعريف به في 1/ 151، و «تفسيره» ذكره ياقوت في معجم الأدباء 5/ 281، ومنه نسخة مخطوطة في القدس برقم 29. (معجم الدراسات القرآنية ص 258) .
(4) هو محمد بن أحمد بن أبي سهل أبو بكر شمس الأئمة. وفخر الإسلام، كان إماما علامة حجة متكلما مناظرا أصوليا مجتهدا لازم عبد العزيز الحلواني وأخذ عنه حتى تخرج به وصار أوحد زمانه، وتفقه عليه برهان الأئمة عبد العزيز بن عمر بن مازه، وركن الدين مسعود بن الحسن وغيرهما. من مصنفاته «المبسوط» خمسة عشر مجلدا أملاه وهو في الجب سجينا و «شرح السير الكبير» وغيرها (ت 490هـ) (اللكنوي، الفوائد البهية: 158) .
(5) ما بين الحاصرتين ليس في المخطوطة.