وشهد آخر هذا القرن اجتياحا مغوليا جديدا على أيدي تيمور لنك أي الأعرج وهو من أحفاد جنكيز خان، فأنزل ببلاد المسلمين الكثير من الدمار والخراب.
هذا ما كان يسود العالم الإسلامي في القرن الثامن الهجري، فالخطر يحدق بالمسلمين من كل جانب، وآثار الدمار والخراب التي ألحقها بهم المغول والتتار لا تزال جاثمة، والوثنية والزندقة تحاصر المسلمين، والصليبية لم تتوقف عن هجماتها الوحشية ضد المسلمين. والمسلمون في الداخل مشتتون يتنازعون على السلطة، والفرق الضالة والأفكار الهدامة تفتك بجسم الأمة، كالباطنية والإسماعيلية الحشاشين.
أما الحياة العلمية فكانت بحمد الله على النقيض من الحالة السياسية، فقد كانت مزدهرة ازدهارا ذهبيا في هذا القرن، إذ هيّأ الله فيه علماء موهوبين في شتى الاختصاصات العلمية شمّروا عن ساعد الجدّ، ولم يتأثّروا بالحوادث السياسية، ونهضوا بالحركة العلمية إلى أوج عظمتها، فكثرت المدارس العلمية والمكتبات، وظهرت المؤلفات والموسوعات في شتى الميادين والاختصاصات.
ومن أسباب ازدهار الحركة العلمية في هذا العصر، تجمّع العلماء في مصر عقب سقوط بغداد على أيدي المغول (656هـ) وقد وضع هؤلاء العلماء نصب أعينهم العودة بالعلوم إلى سابق أوانها، لما شعروا من خطورة زوال هذه العلوم، فضاعفوا جهودهم، ولاقوا تشجيعا من الحكام المماليك.
ويكفي للدلالة على خصوبة النتاج العلمي في هذا العصر ما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) في كتابه «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة» حيث بلغ ما عدّه من الأعيان أكثر من خمسة آلاف عالم من أمثال ابن تيمية (ت 728هـ) والمزّي (ت 742هـ) وأبي حيان (ت 745هـ) والذهبي (ت 748هـ) وابن القيم (ت 751هـ) ومغلطاي (ت 762هـ) واليافعي (ت 768هـ) وجمال الدين الإسنوي (ت 772هـ) وابن كثير (ت 774هـ) وابن قدامة المقدسي (ت 780هـ) وشهاب الدين الأذرعي (ت 783هـ) والكرماني (ت 786هـ) والتفتازاني (ت 791هـ) وابن رجب الحنبلي (ت 795هـ) وسراج الدين البلقيني (ت 805هـ) وزين الدين العراقي (ت 806هـ)
هذه هي البيئة السياسية والعلمية التي كان الإمام الزركشي يعيش فيها، وما من شك في أن هذه البيئة كان لها أثر في تكوين شخصيته العلمية.