أرسلهما [1] ما يفضي إليه حال فرعون، لكن ورد اللفظ بصورة ما يختلج في نفس موسى وهارون من الرجاء والطمع فكأنه قال: انهضا إليه وقولا في نفوسكما، لعلّه يتذكر أو يخشى.
ولما كان القرآن قد نزل بلغة العرب جاء على مذاهبهم في ذلك، والعرب قد تخرج الكلام المتيقّن في صورة المشكوك لأغراض، فتقول: لا تتعرض لما يسخطني، فلعلك إن تفعل ذلك ستندم وإنما مراده أنه يندم لا محالة، ولكنّه أخرجه مخرج الشك تحريرا للمعنى، ومبالغة فيه أي أن هذا الأمر لو كان مشكوكا فيه لم يجب أن تتعرض له فكيف وهو كائن لا شك فيه! وبنحو من هذا فسّر الزجاج [2] قوله تعالى: {رُبَمََا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كََانُوا مُسْلِمِينَ}
(الحجر: 2) . وأما قوله: {لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبََابَ} (غافر: 36) ، فاطلاعه إلى الإله مستحيل، فبجهله اعتقد في المستحيل الإمكان لأنه يعتقد في الإله الجسمية والمكان.
ونصّ ابن الدهّان [3] في «لعل» جواز استعمالها في المستحيل، محتجا بقوله: «لعل زمانا تولّى يعود» . [278/ أ] (وقال أيضا) [4] : كلّ ما وقع في القرآن من «عسى» ، فاعلها الله تعالى، فهي واجبة. وقال قوم: إلا في موضعين، [قال تعالى] [5] : {عَسى ََ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ} (التحريم: 5) ، ولم يطلقهن ولم يبدل بهنّ. وقوله: {عَسى ََ رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ} (الإسراء: 8) ، وهذه في بني النّضير، وقد سباهم النبي صلّى الله عليه وسلّم وقتلهم وأبادهم [6] .
(وقال أيضا) [4] : وهذا عندي متأوّل، لأنّ الأوّل تقديره: «إن طلّقكن يبدله» وما
(1) في المخطوطة (حين إرسالهما) .
(2) انظر قوله في كتابه «معاني القرآن وإعرابه» 3/ 171عند سورة الحجر.
(3) هو سعيد بن المبارك بن علي تقدم التعريف به في 2/ 493، وعبارة المخطوطة (في «المغرب» على جواز) ، ولعله تصحيف لاسم كتابه «الغرة في شرح اللمع» لابن جني ذكره البغدادي في «هدية العارفين 1/ 391ضمن مؤلفات ابن الدهان.
(4) في المخطوطة (وقال ابن الدهان) .
(5) ليست في المخطوطة.
(6) قال الشوكاني في تفسيره «فتح القدير» 3/ 210عند تفسير الآية من سورة الإسراء ما نصه (فجرى على بني قريظة والنضير وبني قينقاع وخيبر ما جرى من القتل والسبي والإجلاء وضرب الجزية على من بقي منهم) .