فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 2234

فإن قيل: ما معنى {مُدْبِرِينَ} وقد أغنى عنها {وَلَّوْا} ؟ قلت: لا يغني عنها [ {وَلَّوْا} ] [1] فإن التولّي قد يكون بجانب دون جانب بدليل قوله: {أَعْرَضَ وَنَأى ََ بِجََانِبِهِ} (الإسراء: 83) وإن كان ذكر الجانب هنا مجازا. ولا شك أنّه سبحانه لما أخبر عنهم أنهم صمّ لا يسمعون أراد تتميم المعنى بذكر تولّيهم في حال الخطاب، لينفي عنهم الفهم الذي يحصل من الإشارة فإنّ الأصمّ يفهم بالإشارة ما يفهم السميع بالعبارة. ثم إن التولّي قد يكون بجانب، مع لحاظه بالجانب الآخر فيحصل له إدراك بعض الإشارة فجعل الفاصلة {مُدْبِرِينَ} ليعلم أن التولّي كان بجميع الجوانب بحيث صار ما كان مستقبلا مستدبرا، فاحتجب المخاطب عن المخاطب، أو صار من ورائه، فخفيت عن عينه الإشارة، كما صمّ أذناه عن العبارة فحصلت المبالغة من عدم الإسماع [2] [بالكلية. وهذا الكلام وإن بولغ فيه بنفي الإسماع البتة فهو من إيغال الاحتياط الذي أدمجت فيه المبالغة في نفي الاستماع] . [2]

وقد يأتي الاحتياط في غير المقاطع من مجموع جمل متفرقة في ضروب من الكلام شتى، يجمعها [4] معنى واحد، كقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى ََ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هََذَا الْقُرْآنِ [لََا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ] } [5] الآية (الإسراء: 88) .

وقوله: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} (البقرة: 23) .

وقوله: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} (هود: 13) ، كما يقول الرجل لمن يجحد: ما يستحقّ عليّ درهما ولا دانقا ولا حبّة [15/ أ] ، ولا كثيرا ولا قليلا. ولو قال: «ما يستحق عليّ شيئا» لأغنى في الظاهر لكنّ التفصيل دلّ [6] على الاحتياط، وعلى شدة الاستبعاد في الإنكار.

ومنه قوله تعالى: {اتَّبِعُوا مَنْ لََا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (يس: 21) فإنّ المعنى تمّ

(1) من المطبوعة.

(2) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة، وهو من المطبوعة.

(4) في المطبوعة: (يحملها) .

(5) من المطبوعة.

(6) في المطبوعة: (أدلّ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت