فهرس الكتاب

الصفحة 778 من 2234

وردّ بأن الدليل السابق يقتضي التواتر في الجميع، ولأنه لو لم يشترط لجاز سقوط كثير من القرآن المكرر وثبوت كثير مما ليس بقرآن. (أما الأول) فلأنّا لو لم نشترط التواتر في المحلّ جاز ألا يتواتر كثير من المتكررات الواقعة في القرآن، مثل: {فَبِأَيِّ آلََاءِ رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ} (الرحمن: 13) و {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} (المرسلات: 15) . (وأما الثاني) فلأنه إذا لم يتواتر بعض القرآن بحسب المحل جاز إثبات ذلك البعض في الموضع بنقل الآحاد.

وقال القاضي أبو بكر في «الانتصار» [1] : «ذهب قوم من الفقهاء والمتكلمين إلى إثبات قرآن حكما لا علما بخبر الواحد دون الاستفاضة، وكره ذلك أهل الحق، وامتنعوا منه. وقال قوم من المتكلمين: إنه يسوغ إعمال الرأي والاجتهاد في إثبات قراءة، وأوجه وأحرف، إذا كانت تلك الأوجه صوابا في اللغة العربية، وإن لم يثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قرأها، بخلاف موجب رأي القياسيين، واجتهاد المجتهدين. وأبى ذلك أهل الحق وأنكروه، وخطّئوا من قال بذلك، وصار إليه» .

قال القاضي: «وقد ردّ الله عنه طعن الطاعنين، واختلاف الضالّين، وليس المعتبر في العلم بصحة النقل والقطع على فنونه بألّا يخالف فيه مخالف وإنما المعتبر في ذلك مجيئه عن قوم بهم ثبت التواتر، وتقوم الحجة، سواء اتفق على نقلهم أو اختلف فيه ولهذا لا يبطل النقل إذا ظهر واستفاض، واتفق عليه إذا حدث خلاف في صحته لم يكن من قبل» .

وبذلك يسقط اعتراض الملحدين في القرآن، وذلك دليل على صحة نقل القرآن وحفظه وصيانته من التغيير، ونقض [2] مطاعن الرافضة فيه من دعوى الزيادة والنقص، كيف وقد قال تعالى: {إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ} (الحجر: 9) وقوله: {إِنَّ عَلَيْنََا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} (القيامة: 17) وأجمعت [3] [الأمة] [4] أن المراد بذلك حفظه على المكلّفين للعمل به وحراسته من وجوه الغلط والتخليط، وذلك وجب القطع على صحة نقل مصحف الجماعة وسلامته.

(1) كتاب «الانتصار لنقل القرآن» لأبي بكر الباقلاني تقدم التعريف به في 1/ 278. وقد ذكر قوله السيوطي مختصرا في الاتقان 1/ 216، النوع الثاني والعشرون معرفة المتواتر.

(2) في المخطوطة (وبعض) .

(3) في المخطوطة (وأجيب) .

(4) ساقطة من المخطوطة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت