وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ جَهْرِيَّةً فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الإِْسْرَارِ بِهِ وَعَدَمِهِ عَلَى ثَلاَثَةِ مَذَاهِبَ:
الأَْوَّل: نَدْبُ الإِْسْرَارِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ اسْتَحَبُّوهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ فَقَطْ، وَالْحَنَفِيَّةُ وَمَعَهُمْ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ اسْتَحَبُّوهُ لِلْجَمِيعِ؛ لأَِنَّهُ دُعَاءٌ وَالأَْصْل فِيهِ الإِْخْفَاءُ. (1) لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} (2) وَلِقَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَرْبَعٌ يُخْفِيهِنَّ الإِْمَامُ، وَذَكَرَ مِنْهَا آمِينَ (3) .
وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَخْصِيصُ الإِْسْرَارِ بِالْمَأْمُومِ فَقَطْ إِنْ أَمَّنَ الإِْمَامُ، كَسَائِرِ الأَْذْكَارِ، وَقِيل: يُسِرُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِنْ قَل الْجَمْعُ. (4)
الثَّانِي: نَدْبُ الْجَهْرِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ عَمَّمُوا النَّدْبَ فِي كُل مُصَلٍّ.
وَوَافَقَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ اتِّفَاقًا بِالنِّسْبَةِ لِلإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ. وَأَمَّا فِي الْمَأْمُومِ فَقَدْ وَافَقُوهُمْ أَيْضًا بِشَرْطِ عَدَمِ تَأْمِينِ الإِْمَامِ. فَإِنْ أَمَّنَ فَالأَْظْهَرُ نَدْبُ الْجَهْرِ كَذَلِكَ. وَقِيل: إِنَّمَا يَجْهَرُ فِي حَالَةِ تَأْمِينِ الإِْمَامِ بِشَرْطِ كَثْرَةِ الْجَمْعِ. فَإِنْ لَمْ يَكْثُرْ فَلاَ يُنْدَبُ الْجَهْرُ.
(1) الفتاوى الهندية 1 / 74، 107، والرهوني 1 / 416، وأحكام القرآن لابن العربي 1 / 7
(2) سورة الأعراف / 55
(3) الهداية 1 / 48 ط الحلبي.
(4) مغني المحتاج 1 / 161 ط مصطفى الحلبي، والروضة 1 / 247 ط المكتب الإسلامي.