حُضُورَ الْقَلْبِ وَاسْتِيفَاءَ الْفِكْرِ الَّذِي يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى إِصَابَةِ الْحَقِّ فِي الْغَالِبِ، فَهُوَ فِي مَعْنَى الْغَضَبِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ قَال. سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: لاَ يَحْكُمُ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ. . .
فَإِذَا قَضَى وَهُوَ حَاقِنٌ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ قِيَاسًا عَلَى قَضَاءِ الْغَضْبَانِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (1) . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي رَأْيٍ ثَانٍ لَهُمْ، حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ قَضَاءُ الْقَاضِي وَهُوَ حَاقِنٌ. فَإِذَا حَكَمَ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ لاَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ؛ لأَِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَقِيل عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّمَا يَمْنَعُ الْغَضَبُ الْحَاكِمَ إِذَا كَانَ قَبْل أَنْ يَتَّضِحَ لَهُ الْحُكْمُ فِي الْمَسْأَلَةِ. فَأَمَّا إِنِ اتَّضَحَ لَهُ الْحُكْمُ ثُمَّ عَرَضَ الْغَضَبُ لاَ يَمْنَعُهُ (2) ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ قَدِ اسْتَبَانَ قَبْل الْغَضَبِ فَلاَ يُؤَثِّرُ الْغَضَبُ فِيهِ.
10 -فِي نَقْضِ وُضُوءِ الْمُحْتَقِنِ فِي الْقُبُل أَوِ الدُّبُرِ ثَلاَثَةُ اتِّجَاهَاتٍ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى نَقْضِ الْوُضُوءِ. وَذَكَرُوا أَنَّهُ إِذَا أَدْخَل رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ فِي الْقُبُل أَوِ الدُّبُرِ
(1) البحر الرائق 6 / 303 ط المطبعة العلمية بالقاهرة، ومجلة الأحكام بشرح الأتاسي 6 / 86 طبعة مطبعة السلامة، والتحفة بحاشية الشرواني 8 / 341، وحاشية الدسوقي 4 / 141 ط عيسى الحلبي"والمغني 10 / 44، 45، ونيل الأوطار 8 / 273"
(2) المغني 10 / 45