وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا
وَلَمَّا عَرَضَ ذلك الشَّيْطَانُ لِلنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِالنَّارِ في صَلَاتِهِ قال أَلْعَنُك بِلَعْنَةِ اللَّهِ وَخَنَقَهُ وَالْخَبَرُ مَشْهُورٌ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ من دخل في عُمُومَاتِ الشَّرْعِ عَمَّهُ كَلَامُ الْمُكَلَّفِ الْعَامِّ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ لَكِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ فَعَلَ مُدَّعِيهِ الدَّلِيلَ وَهَذَا وَاضِحٌ وقد احْتَجَّ الْقَاضِي في الْعُدَّةِ على الْعُمُومِ بِأَنَّ لفظه ( من ) إذَا اُسْتُعْمِلَتْ في الإستفهام كَقَوْلِهِ من عِنْدَك وَمَنْ كَلَّمْت صَحَّ أَنْ يُجِيبَ بِذِكْرِ كل عَاقِلٍ فَثَبَتَ أَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ وَكَذَلِكَ إذَا اُسْتُعْمِلَتْ ( من ) في الْمُجَازَاةِ كَقَوْلِهِ من دخل دَارِي أَكْرَمْته صَلَحَ أَنْ يُسْتَثْنَى أَيُّ عَاقِلٍ فَلَوْلَا أَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ لَمَا صَلَحَ اسْتِثْنَاؤُهُمْ لِأَنَّ الإستثناء يُخْرِجُ من اللَّفْظِ ما لَوْلَاهُ لَكَانَ دَاخِلًا فيه أَلَا تَرَاهُ لَمَّا يَتَنَاوَلْ غير الْعُقَلَاءِ لم يَصِحَّ اسْتِثْنَاؤُهُمْ
فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ صِيغَةَ ( من ) لِكُلِّ من يَعْقِلُ لِأَنَّ من يَعْقِلُ من الْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ لَا يَدْخُلُونَ فيه قِيلَ الصِّيغَةُ تَنَاوَلَتْ كُلَّ هَؤُلَاءِ وَإِنَّمَا خَرَجَ ذلك بِدَلِيلٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَأَلَهُ عَمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ عمن ( (( وعمن ) ) ) يَجُوزُ دُخُولُهُ كَذَا قال وَتَحْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ الْوَاحِدَ من هَؤُلَاءِ لَا يَخْطِرُ بِبَالِ السَّائِلِ وَالْمُتَكَلِّمِ وَلَا يَتَوَهَّمُهُ فَلَا يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِهِ حتى لو كان من يَخْطِرُ بِبَالِهِ يُخَالِطْهُمْ أو كان الْقَائِلُ أَحَدَهُمْ جَازَ وَصَحَّ لِعَدَمِ الْمَانِعِ وَمُرَادُ الْقَاضِي لَا يُخَالِفُ هذا وَكَذَا أبو الْخَطَّابِ لِمَا قِيلَ له لو كان الإستثناء لَا يُخْرِجُ إلَّا ما لَوْلَاهُ لَوَجَبَ دُخُولُهُ فيه لَحَسُنَ أَنْ يَقُولَ من دخل دَارِي ضَرَبْته إلَّا الْمَلَائِكَةَ وَالْجِنَّ لِأَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ تَحْتَ لَفْظَةِ ( من )
قِيلَ قد ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَصِحُّ وإذا قُلْنَا فَالْمَنْعُ من دُخُولِهِمْ تَحْتَ اللَّفْظِ هو عَلِمْنَا أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ قبل الإستثناء لم يُرِدْهُمْ وَلَا عَنَاهُمْ فلم يَكُنْ في الإستثناء فَائِدَةٌ كَذَا قال وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْمُتَكَلِّمِ دَلِيلٌ على أَنَّهُ عَنَاهُمْ وَأَرَادَهُمْ لِئَلَّا يَقَعَ الْكَلَامُ غير مُفِيدٍ وَحَمْلُهُ على الصِّحَّةِ مُتَعَيَّنٌ
قال أبو الْخَطَّابِ جَوَابٌ آخَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ مِثْلُ هذا الإستثناء لو أَخْرَجَ ما لَوْلَاهُ