فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 2234

بهذا التقدير، وظرف الليل ظرف مظلم لا ينفذ فيه البصر، لا سيما وقد أضاف الإتيان بالضياء الذي تنفذ فيه الأبصار إلى غيره، وغيره ليس بفاعل على الحقيقة فصار النهار كأنه معدوم إذ نسب وجوده إلى غير موجد والليل كأنه لا موجود سواه إذ جعل [كونه] [1] سرمدا منسوبا إليه سبحانه، فاقتضت البلاغة أن يقول: {أَفَلََا تَسْمَعُونَ} لمناسبة ما بين السماع والظرف الليلي الذي يصلح للاستماع، ولا يصلح للإبصار.

وكذلك قال في الآية التي تليها: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللََّهُ عَلَيْكُمُ النَّهََارَ سَرْمَدًا إِلى ََ يَوْمِ الْقِيََامَةِ مَنْ إِلََهٌ غَيْرُ اللََّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلََا تُبْصِرُونَ} (القصص: 72) ، لأنه لما أضاف جعل النهار سرمدا إليه صار النهار كأنه سرمد، وهو ظرف مضيء تنوّر فيه الأبصار، وأضاف الإتيان بالليل إلى غيره، وغيره ليس بفاعل على الحقيقة، فصار الليل كأنه معدوم إذ نسب وجوده إلى غير موجد، والنهار كأنه لا موجود سواه، إذ جعل وجوده سرمدا منسوبا إليه، فاقتضت البلاغة أن يقول: {أَفَلََا تُبْصِرُونَ} إذ الظرف مضيء صالح للإبصار، وهذا من دقيق المناسبة المعنوية.

ومنه قوله تعالى في أول سورة الجاثية: {إِنَّ فِي السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ لَآيََاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمََا يَبُثُّ مِنْ دََابَّةٍ آيََاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلََافِ اللَّيْلِ وَالنَّهََارِ وَمََا أَنْزَلَ اللََّهُ مِنَ السَّمََاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيََا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهََا} [2] [وَتَصْرِيفِ الرِّيََاحِ آيََاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

(الجاثية: 53) . فإن البلاغة تقتضي أن تكون فاصلة الآية الأولى: {لِلْمُؤْمِنِينَ} ، لأنه سبحانه] [2] ذكر العالم بجملته حيث قال: {السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ} ومعرفة الصانع من الآيات الدالة على أنّ المخترع له قادر عليم حكيم، وإن دلّ على وجود صانع مختار كدلالتها [4] على صفاته مرتبة على [12/ ب] دلالتها على ذاته [5] ، فلا بد أولا من التصديق بذاته حتى تكون هذه الآيات دالة على صفاته، لتقدم الموصوف وجودا واعتقادا على الصفات. وكذلك قوله في الآية الثانية: {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ، فإنّ سرّ الإنسان وتدبر خلقه الحيواني [6] أقرب إليه من الأول، وتفكّره في ذلك مما يزيده يقينا في معتقده الأوّل. وكذلك معرفة جزئيات العالم من

(1) ساقطة من المطبوعة.

(2) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة وهو من المطبوعة.

(4) في المطبوعة: (لدلالتها) .

(5) في المخطوطة: (على ذلك) .

(6) في المطبوعة: (خلقة الحيوان) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت