فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 2234

اختلاف الليل والنهار، وإنزال الرزق من السماء، وإحياء الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح يقتضي رجاحة العقل ورصانته لنعلم أن من صنع هذه الجزئيات هو الذي صنع العالم الكلّي التي هي أجرامه وعوارض عنه. ولا يجوز أن يكون بعضها صنع بعضا، فقد قام البرهان على أن للعالم [الكلي] [1] صانعا مختارا، فلذلك اقتضت البلاغة أن تكون فاصلة الآية الثالثة:

{لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ، وإن احتيج إلى العقل [2] في الجميع إلا أن ذكره هاهنا أنسب بالمعنى الأول إذ بعض من يعتقد صانع العالم ربما قال: إن بعض هذه الآثار يصنع بعضا، فلا بد إذا من التّدبر بدقيق الفكر وراجح العقل.

ومنه قوله تعالى حكاية عن لقمان: {يََا بُنَيَّ إِنَّهََا إِنْ تَكُ مِثْقََالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمََاوََاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللََّهُ إِنَّ اللََّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} (لقمان: 16) .

ومنه قوله تعالى: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمََا فَتَحَ اللََّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلََا تَعْقِلُونَ} (البقرة: 76) . والمناسبة فيه قوّية لأن من دلّ عدوّه على عورة نفسه، أو أعطاه [3] سلاحه ليقتله به، فهو جدير بأن يكون مقلوب العقل فلهذا ختمها بقوله: {أَفَلََا تَعْقِلُونَ} ، [والمناسبة فيه قويّة] [4] .

وهذه الفاصلة لا تقع إلا في سياق إنكار فعل غير مناسب في العقل نحو قوله تعالى:

{أَتَأْمُرُونَ النََّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتََابَ أَفَلََا تَعْقِلُونَ} (البقرة: 44) لأنّ فاعل غير المناسب ليس بعاقل.

وقوله [تعالى] : {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنََا رَبُّنََا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنََا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتََّاحُ الْعَلِيمُ} (سبأ:

26)، ختم بصفة العلم إشارة إلى الإحاطة بأحوالنا وأحوالكم وما نحن عليه من الحق، وما أنتم [5] عليه من الباطل وإذا كان عالما بذلك، فنسأله القضاء علينا [وعليكم] [6] ، بما يعلم منا ومنكم.

وقد تجتمع فواصل في موضع واحد ويخالف بينها وذلك في مواضع:

(1) من المطبوعة.

(2) في المخطوطة: (للعقل) .

(3) في المخطوطة: (وأعطاه) .

(4) ساقط من المطبوعة.

(5) في المخطوطة: (وأنتم) .

(6) من المطبوعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت