فإن قيل: ما وجه الختام بالحلم والمغفرة عقيب تسابيح الأشياء وتنزيهها؟ أجاب صاحب «الفنون» [1] بثلاثة أوجه:
أحدها: إن فسّرنا التسبيح على ما درج في الأشياء من العبر وأنها مسبّحات بمعنى مودعات من دلائل العبر ودقائق الإنعامات والحكم ما يوجب تسبيح المعتبر المتأمّل فكأنه سبحانه يقول: إنه كان من كبير إغفالكم النظر في دلائل العبر مع امتلاء الأشياء بذلك. وموضع العتب قوله [تعالى] : {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهََا وَهُمْ عَنْهََا مُعْرِضُونَ}
(يوسف: 105) كذلك موضع المعتبة قوله: {وَلََكِنْ لََا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} (الإسراء: 44) وقد كان ينبغي أن يعرفوا بالتأمّل [ما] [2] يوجب القربة لله مما أودع مخلوقاته [3] [بما يوجب تنزيهه] [3] فهذا موضع حلم وغفران عمّا جرى في ذلك من الإفراط والإهمال.
الثاني: إن جعلنا التسبيح حقيقة في الحيوانات بلغاتها فمعناه: الأشياء كلّها تسبّحه وتحمده، ولا عصيان في حقها وأنتم تعصون، فالحلم والغفران للتقدير [5] في الآية وهو العصيان. وفي الحديث: «لولا بهائم رتّع، وشيوخ ركّع، وأطفال رضّع، لصبّ عليكم العذاب صبّا» [6] .
الثالث: أنه [سبحانه] قال في أولها: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمََاوََاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلََّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} (الإسراء: 44)
(1) كتاب «فنون الأفنان» وهو للإمام عبد الرحمن بن علي بن محمد، أبو الفرج ابن الجوزي، المحدث الحافظ المفسّر الفقيه الواعظ المؤرخ المشارك في أنواع أخرى من العلوم ولد ببغداد سنة (510) من مؤلفاته الكثيرة «المغني في علوم القرآن» و «تذكرة الأريب» و «المنتظم، في تاريخ الملوك» توفي سنة (597) . (أبو الفرج، الذيل على طبقات الحنابلة 1/ 399) . وكتابه «فنون الأفنان في عيون علوم القرآن» طبع بتحقيق أحمد الشرقاوي، وإقبال المراكشي في الدار البيضاء، ط 1، عام 1970م. وقام بتحقيقه نادر النوري، كرسالة دكتوراه في الكويت عام 1986م. وحققه د. حسن ضياء الدين عتر، وطبع بدار البشائر الإسلامية في بيروت عام 1408هـ / 1987م وليس قوله في الكتاب. وانظر زاد المسير 5/ 4039.
(2) ساقطة من المخطوطة، وهي من المطبوعة.
(3) ما بين الحاصرتين ساقط من المخطوطة، وهو من المطبوعة.
(5) في المخطوطة: (للمقدور) .
(6) الحديث أخرجه الطبراني في معجمه الكبير من رواية أبي عبيدة الدئلي 22/ 309الحديث (875) وأخرجه ابن عدي الجرجاني في الكامل في ضعفاء الرجال من رواية ابن عبيدة الدئلي 4/ 1622، وأخرجه البيهقي في