وإن كان بعض الناس أحسن إحساسا له من بعض وهذا كما أن بعضهم يفطن [1] للوزن بخلاف بعض.
واختار أبو نصر بن القشيري [2] في «تفسيره» التفاوت [3] فقال: «وقد ردّ على الزجاج [4] وغيره تضعيفهم قراءة {وَالْأَرْحََامَ} [5] (النساء: 1) بالجرّ: هذا من الكلام مردود عند أئمة الدين لأن القراءات السبع متواترة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، وإذا ثبت فمن ردّ ذلك [6]
فكأنما ردّ على النبوّة، وهذا مقام محذور، لا يقلد فيه أئمة اللّغة والنحو. ولعلّهم أرادوا أنه
(1) في المخطوطة (تفطن) .
(2) هو عبد الرحيم بن أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن أبو نصر القشيري الشافعي، إمام الأئمة في التفسير والأصول. لازم إمام الحرمين حتى أحكم عليه المذهب، والخلاف، والأصول. سمع الحديث من أبيه وأبي عثمان الصابوني وأبي القاسم الزنجاني وجماعة. وله: «التيسير في التفسير» ت 514هـ (الداودي، طبقات المفسرين 1/ 291) . وتفسيره مخطوط في ليدن مكتبة بريل رقم: 643، (انظر تذكرة النوادر: 24) وقد نقل قوله القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 5/ 4.
(3) في المخطوطة (التقارب) .
(4) انظر قول الزجاج في كتابه إعراب القرآن 2/ 76 (بتحقيق عبد الجليل عبده شلبي، طبعة عالم الكتب ببيروت 1408هـ / 1988م) قال {وَالْأَرْحََامَ} : القراءة الجيّدة نصب الأرحام. المعنى واتقوا الأرحام أن تقطعوها، فأما الجرّ في الأرحام فخطأ في العربية لا يجوز إلا في اضطرار شعر، وخطأ أيضا في أمر الدين عظيم، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: لا تحلفوا بآبائكم. فكيف يكون تساءلون به وبالرحم على ذا؟. رأيت أبا إسحق إسماعيل بن إسحاق يذهب إلى أن الحلف بغير الله أمر عظيم، وأن ذلك خاص لله عزّ وجلّ على ما أتت به الرواية.
فأما العربية فإجماع النحويين أنه يقبح أن ينسق باسم ظاهر على اسم مضمر في حال الجر إلا بإظهار الجار، يستقبح النحويّون: مررت به وزيد، وبك وزيد، إلا مع إظهار الخافض حتى يقولوا بك وبزيد، فقال بعضهم: لأن المخفوض حرف متّصل غير منفصل، فكأنّه كالتنوين في الاسم، فقبح أن يعطف باسم يقوم بنفسه على اسم لا يقوم بنفسه. وقد فسر المازي هذا تفسيرا مقنعا فقال: الثاني في العطف شريك للأول، فإن كان الأول يصلح شريكا للثاني وإلا لم يصلح أن يكون الثاني شريكا له.
قال: فكما لا تقول مررت بزيد و «ك» فكذلك لا يجوز مررت بك وزيد.
وقد جاز ذلك في الشعر، أنشد سيبويه:
فاليوم قرّبت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيّام من عجب
(5) وهي قراءة حمزة، والباقون بنصبها (التيسير: 93) وانظر تفسير القرطبي 5/ 43.
(6) في المخطوطة (فمن رد بعد ذلك) .