صحيح فصيح وإن كان غيره أفصح منه، [قال] [1] فإنا لا ندّعي أن كل [2] ما في القرآن على أرفع الدرجات في الفصاحة.
وإلى هذا نحا الشيخ عز الدين [3] في كتاب «المجاز» وأورد سؤالا فقال [4] : فإن قلت: فلم لم يأت القرآن جميعه بالأفصح والأملح؟ وقال: فيه إشكال [يسّر الله] [5] حلّه.
قال القاضي صدر الدين موهوب الجزري [6] [رحمه الله] [7] : وقد وقع لي حلّ هذا الإشكال بتوفيق الله تعالى فأقول: البارئ جلت قدرته له أساليب مختلفة على مجاري تصريف أقداره، فإنّه كان قادرا على إلجاء المشركين إلى الإقرار بنبوّة محمد صلّى الله عليه وسلّم، قال تعالى: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمََاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنََاقُهُمْ لَهََا خََاضِعِينَ} (الشعراء: 4) ، ولكنّه سبحانه أرسل رسوله على أساليب الأسباب والمسببات، وجاري العوائد الواقعة من أهل الزمان، ولذلك [8]
تكون حروب الأنبياء سجالا بينهم وبين الكفار، ويبتدئ أمر الأنبياء بأسباب خفيفة، ولا تزال تنمى وتشتد، كلّ ذلك يدلّ على أن أساليبهم في الإرسال على ما هو المألوف والمعتاد من أحوال غيرهم.
إذا عرف ذلك كان مجيء القرآن [العزيز] [9] بغير الأفصح والأملح [10] جميعه لأنه تحدّاهم بمعارضته على المعتاد فلو وقع على غير المعتاد لكان ذلك نمطا غير النّمط الذي أراده الله عز وجلّ في الإعجاز.
ولما كان الأمر على ما وصفنا جاء القرآن على نهج إنشائهم الخطب، والأشعار وغيرها،
(1) ساقطة من المطبوعة.
(2) في المخطوطة (كلما) .
(3) العز بن عبد السلام تقدم التعريف به في 1/ 132، وكتابه «مجازات القرآن» مخطوط بالأزهر 26/ 322 أتراك (معجم الدراسات القرآنية: 334) ، وانظر الإشارة إلى الإيجاز ص 132.
(4) في المخطوطة (قال) .
(5) ليست في المخطوطة.
(6) في المخطوطة (صدر الدين ابن الجزري) . وهو موهوب بن عمرو بن موهوب الجزري القاضي الشافعي صدر الدين ولد سنة 570هـ. قدم الشام، وتفقه على شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام، وقرأ على السخاوي، وكان فقيها بارعا أصوليا أدبيا قدم الديار المصرية وولي بها القضاء، وسار سيرة مرضية. ت 665هـ بالقاهرة (السبكي، طبقات الشافعية 5/ 162) .
(7) ليست في المخطوطة.
(8) في المخطوطة (وكذلك) .
(9) ليست في المطبوعة.
(10) في المخطوطة (الأملح) بدون الواو.