القضاء، يعني أنه لا يجب عليه أن يقضي لها ما فاتها من حظها من القَسْم.
قال الفقهاء في تعليل ذلك: إن المرأةَ إذ قد سافرت باختيارها ولحاجتها وحظِّ نفسِها، وفوّتتْ على الزوج حقَّه في الاستمتاع بها؛ فإنها بذلك أسقطتْ حقها، فلا يُقضى لها، وهذا ظاهرٌ.
وأما إذْنُ الزوج لها في السفر لحاجتها، فقُصاراه أنه مسقِطٌ لحقه في التمكّن منها والاستمتاع بها تلك الأيام والليالي، ولا يُوجِب في ذمّته لها حقًا يقضيه لها.
وأما الأخرى التي سافرت مع أولاده للعلاج، وقال إنه هو بعثها للعلاج مع أولاده منها؛ فإن كانت قد سافرت لحاجتها هي وحظ نفسها، بإذنه، فهي كالأولى وتقدم الكلام فيها.
وإن كانت سافرت لعلاج نفسها، بمعنى أنها هي التي تتطبب وتتعالج، وكان هذا الغرضُ هو الغالبَ والمقصودَ الأعظم من سفرها، فكذلك لا يقضي لها.
وإن كان الغرضُ من سفرها الذي أذن لها فيه وبعثها فيه هو مرافقة الأولاد (الكون معهم ورعايتهم .. ) لأنه لابدّ أن يبعَث أحدًا من أهله أو غيرهم مع الأولاد الصغار يقوم عليهم ويرعاهم، أو كان هذا هو المقصود الأعظم الأغلب من سفرها .. فهذه يقضي لها. والله أعلم.
وتعليل ذلك حسب ما يتخرج من كلام الفقهاء: أن المرأة في هذه الحالة إنما سافرَتْ لحاجةِ الزوجِ وخدمتِهِ لا لحاجتها هي وحظِّ نفسها، فهي لم تفوِّت عليه شيئا من حقه من عندِ نفسها وبسببٍ منها، بل فاتَه هو حقه في التمكن منها والاستمتاع بها بتفويته هو، لأنه بعثها وأشخصها في حاجته، (وحاجتُهُ في هذه الحالة هي: إرسالُ أحدٍ مع الأولاد الصغار يقوم عليهم ويرعاهم، وهذا واجبٌ عليه، والأولاد أولادُه، فآل الأمرُ إلى حاجةِ نفسِهِ، واختار هو أن يرسِلها هي(أم الأولاد) لأنها أرفقُ بهم وأرعى لهم ولغير ذلك من المرجّحات)، وبقيَ حق المرأة في الإيواءِ والإيناس تلك الليالي التي فاتتها منه، فيقضيه لها. وقولنا: «أو كان هذا هو المقصود الأعظم والأغلب من سفرها» معناه أنه في أكثر الصور والحالات تكون هناك مقاصدُ متعدّدةٌ للسفر، وإنما النَّظَرُ إلى المقصود الأساس الرئيسيّ فيُعلَّقُ الحكمُ به، ولا تؤثّرُ المقاصدُ الأخرى الثانوية.
والله أعلم أحكم، لا إله غيرُهُ ولا ربَّ سواه، وصلى الله على نبينا محمدٍ وآله وصحبه ومَن تبعهم بإحسان.
وكتب: أبو عبد الرحمن عطية
10 من ذي القعدة 1430هـ