بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله العليم الحليم العزيز الحكيم، الذي نطقت الخلائق بكمال حكمته وسطعت على الوجود أنوار حجته، الغني الحميد ذو العرش المجيد، خلق الخلق ليعبدوه ويوحّده، ما يريد منهم من رزقٍ ولا يريد أن يطعموه، وبين لهم سبلَ الهداية ليتبعوها، وكشف لهم عن طرق الغواية ليحذروها، له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون.
والصلاة والسلام على عبده ورسوله وصفيّه من خلقه وخليله، محمدٍ الصادق الأمين، المبعوث رحمةً للعالمين، المبيّن بسنته وسيرته وهديه ما نُزّل عليه من ربّه أحسنَ تبيين، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد:
فاعلموا أيها الإخوة المؤمنون أن الله - عز وجل - قد امتحن عباده بالاختلاف في مسائل الدين، سواء في مسائل العلم -الاعتقاد والتصور- أو مسائل العمل، وسواء في المسائل الكبار أو المسائل الصغار، ولله - عز وجل - في ذلك الحكمة العظيمة والحجة البالغة على خلقه - سبحانه وتعالى -.
ولو شاء الله جل وعلا ما اختلف الناسُ!
كما قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253) } [البقرة] .
وَقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) } [هود] .
وَقال تعالى: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) } [الشعراء: 4] ، قال الإمام القرطبي - رحمه الله - عندها: «إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية أي معجزة ظاهرة وقدرة باهرة فتصير معارفهم ضرورية، ولكن سبق القضاء بأن تكون المعارف نظرية» (1) اهـ، وهذا المعنى في كتاب الله كثير وواضح .. ولو شاء الله - عز وجل - أن ينزّل كتابًا مطوّلا حاويًا كل التفاصيل لمسائل المكلفين، وفيه كل كبيرة وصغيرة مما يحدث للخلق على وجه التفصيل، وعلى وجه النص على حكمها لفعل، ولا يعجزه شيء
(1) الجامع لأحكام القرآن (13/ 89) .