فهرس الكتاب

الصفحة 730 من 1908

الجواب: «قال ابن بطال: إنما لم يجب النبيُ -صلى الله عليه وسلم- سؤالَ خباب ومن معه بالدعاء على الكفار مع قوله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] وقوله: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} [الأنعام: 43] لأنه علم أنه قد سبق القدرُ بما جرى عليهم من البلوى ليؤجروا عليها، كما جرت به عادة الله تعالى في من اتبع الأنبياء فصبروا على الشدة في ذات الله ثم كانت لهم العاقبة بالنصر وجزيل الأجر، قال: فأما غير الأنبياء فواجب عليهم الدعاء عند كل نازلةٍ لأنهم لم يطلعوا على ما اطلع عليه النبيُ -صلى الله عليه وسلم-» نقله الحافظ في «الفتح» وتعقّبه بقوله: «وليس في الحديث تصريحٌ بأنه (لم يدعُ لهم، بل يحتمل أنه دعا، وإنما قال:(قد كان من قبلكم يؤخذ) إلخ، تسلية لهم وإشارة إلى الصبر حتى تنقضي المدة المقدرة، وإلى ذلك الإشارة بقوله في آخر الحديث: (ولكنكم تستعجلون) » (1) اهـ.

وقول ابن بطال: «فأما غير الأنبياء فواجب عليهم الدعاء عند كل نازلةٍ لأنهم لم يطلعوا على ما اطلع عليه النبيُ -صلى الله عليه وسلم-» هو - رحمه الله - اختار أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لم يدعُ لهم هنا في هذه القصة، ثم علل ذلك بما ذكره من أن النبيَّ اطلعَ .. إلخ، ثم فرَّق بأن غير النبيّ لا يطلع على ذلك، فعليه أن يدعو.

فيقال: صحيحٌ أن غيرَ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- لا يطّلع على ما يطّلع عليه النبيّ، إذا كان طريق هذا الاطلاع هو الوحي، ولكن قد يحصُلُ لغيرِ النبيّ من قادة الناس من عقلائهم وعلمائهم علمٌ مما يُعمَل به في الشرع (اليقين أو الظن الغالب) بطريقٍ من طرق حصول العلم الكسبيّ الاجتهادي الاستدلاليّ، فيعرِفُ أن الحكمة في موضعٍ ما تقتضي الصبرَ أكثرَ ومزيد التضحية وعدم الردّ على العدو وترك مقاومته بمثل فعله (بالحرب والقوة) ، وترك استعجال النصر الذي هو بمعنى الغلبة والظهور على العدوّ، وترك طلب ذلك من الله تأدبًا وخضوعًا، فهذا إن شاء الله لا مانع منه .. والله أعلم.

[الحلقة الخامسة - مجلة طلائع خراسان، العدد الخامس عشر، شعبان 1430]

• تنبيه:

اعلم أن الكثير من طوائف العمل الإسلامي تلومُ المجاهدين أو مَنْ اشتهرت تسميتهم بالجماعات الجهادية أو التيار الجهاديّ في الحركة الإسلامية (إما عمومًا، أو طوائفَ منهم) ؛ يلومونهم على الخروج على أئمة الردة ومنابذتهم بالسلاح، والسعي في تغييرهم بالقوة والحرب والعمل العسكريّ الجهاديّ،

(1) فتح الباري لابن حجر (12/ 316، 317) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت