فهرس الكتاب

الصفحة 729 من 1908

كان أحدهم ليمشط ما دون عظامه من لحم أو عصب بأمشاط الحديد وما يصرفه ذاك عن دينه)» رواه أحمد وأبو داود وغيرهم، وهذا لفظ ابن حبان في «صحيحه» (1) .

والغالب على الظن بل المتيقَّنُ أنه (لا يغضبُ ويحمرُّ وجهه من مجرد طلبهم أن يدعوَ لهم بالنصر، وإنما لشيء أكثر من ذلك اقتضاه.

وقولهم: «ألا تستنصر لنا» ، أي تطلبُ لنا النصرة من الله على عدوِّنا، فيه إجمالٌ من جهة اشتراك لفظ النصر بين عدة معانٍ وصور، فيحتمل مما يحتمل أنهم تصوّروا النصرة على طريقة نصر الله تعالى أنبياءَه السابقين على عدوّهم بإهلاكهم.

ثم قوله لهم في الجواب (قد كان الرجل فيمن قبلكم .. ) الخ؛ أيضا مشعِرٌ بذلك؛ فإنه أحالهم على الأسوة والقدوة، وضربَ لهم المثل بمن قبلهم من الصالحين أتباع الأنبياء أنهم أوذوا وعُذّبوا أكثر مما تلاقون أنتم اليوم؛ فتمسّكوا بدينهم وثبتوا وصبروا، واختاروا دينهم وآخرتهم على إعطاء ما أراده الكفّار منهم، فاصبروا أنتم مثلهم وليكن لكم فيهم أسوة، ولا شك أن الحال كان يقتضي مزيد الصبرِ والمصابرة والتضحية من الصحابة - رضي الله عنهم - كما قد بيّنه علماؤنا - رحمهم الله - حينما تكلموا عن الحِكم الظاهرة في الأمر بالصبر والعفو والصفح ونحو ذلك، في تلك المرحلة.

وعلى هذا الوجه، فالاستعجال هو التضجّر واستبطاء النصر، مع أنه ينبغي أن يكون معلومًا أنهم الطبقة الأولى التي يقوم عليها الدين والتي يتعيّن عليها أن تصبِر على البلاء وتصابرَ وتضحّي وتبذلَ أكثر من غيرها، لما في ذلك من الحِكم العظيمة الظاهرة، ولما هيّأهم الله تعالى له من المراتب العالية الجليلة.! والله أعلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

والحاصل أن الدعاء على العدوّ، وطلب ذلك من الصالحين، ليس مذمومًا ولا يُنهى عنه، وليس في الحديث ما يقتضي أنه مذموم، وليس قوله -صلى الله عليه وسلم- تستعجلون) راجعًا إليه بمجرّده، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قد دعا على الكفار في مثلِ تلك الأحوال وفي غيرها كثيرًا، وهذا معروف في موضعه، والحمد لله رب العالمين، وكذلك سؤالُ الله النصر على العدوّ ليس مذمومًا في حالٍ من الأحوال، بل هو ممدوح محمودٌ مطلقًا، والنصر معناه الإعانة على العدوّ والظالمِ.

وهل دعا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لهم أو لا؟ وإذا لم يدعُ لهم فما تعليل ذلك؟

(1) مسند أحمد (21069، 21073) قال: إسناده صحيح على شرط الشيخين، سنن أبي داود (2649) وقال الألباني: صحيح، صحيح ابن حبان (2897) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت