قدَّمَ الشَّيخُ - رحمه الله - لِدينِ اللهِ - عز وجل - الغَالِيَ وَالنَّفِيسَ؛ وَمِنْ ضِمْنِ ذَلِكَ وَلَدَهُ «إِبْرَاهِيمَ» وَهُوَ أَحَبُّ أَبْنَائِه إِلَيْهِ وَأَمْيَزُهُمْ - رحمه الله - وَعُمْرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا- حَيْثُ قُتِلَ قَبْلَ وَالِدِهِ بِقُرَابَةِ سَنَتَيْنِ، وَكَانَ ابنُهُ «إِبْرَاهِيمُ» هُوَ النَّاجِي الوَحِيْد فِي حَادِثِ اسْتِشْهَادِ الشَّيخِ «أَبِي اللَّيْثِ الليبيِّ» - رحمه الله - مَطْلَعَ عَامِ 2008م-، وَبَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَةٍ وَنِصفٍ قُتِلَ «إِبْرَاهِيمُ» - رحمه الله -؛ فَاحْتَارَ الشَّيْخُ «عَبْدُ اللهِ سَعِيدٍ اللِّيْبِيّ» كَيْفَ سَيُخْبِرُ وَالِدَهُ الشَّيْخُ «عَطِيَّةَ» بِذَلِكَ؛ لِوُجُودِ مَوْعِدٍ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا اجْتَمَعَا سَأَلَ الشَّيْخُ «عَطِيَّةُ» عَنِ القَصْفِ؛ فَلَمْ يُجِبْهُ الشَّيْخُ «عَبْدُ اللهِ» وَدَخَلَ مَعَهُ فِي مَوَاضِيعِ العَمَلِ، وِفِي ثَنَايَا الحَدِيثِ قَالَ الشَّيْخُ «عَطِيَّةُ» لِلشَّيْخِ «عَبْدِ اللهِ» : أَخْبِرْنِي هَلْ قُتِلَ ابْنِي فِي القَصْفِ؟ فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ اسْتَرْجَعَ، وَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ عَادَ لِصَاحِبِهِ وَقَالَ لَهُ: جَيِّدٌ؛ فَلْنُكْمِلْ عَمَلَنَا وَمَوَاضِيْعَنَا.
وَمَا زَالَ الشَّيْخُ «عَطِيَّةُ اللهِ» يَنْتَظِرُ مَوْعُودَ اللهِ - عز وجل -؛ حَتَّى جَاءَهُ الأَجَلُ، وَتَحَقَّقَ الأَمَلُ.. فَفِي يَوْمِ الاثْنَينِ؛ الثَّالِثِ والعِشْرِينَ مِن رَمَضَانَ، عَامَ اثْنَينِ وثَلَاثِينَ وأَلفٍ وأربَعَمائِةٍ (1432) ، بَاتَ الشَّيخُ سَاهِرًا يُتَابِعُ أخْبَارَ دُخُولِ «الثُّوَّارِ» طَرَابُلْسَ لِيبْيَا، ثُمَّ إِنَّهُ خَرَج لِيُحَاسِبَ مَنْ أَرْسَلَهُ لِشِرَاءِ بَعْضِ الأَغْرَاضِ فِي فَنَاءِ مَنْزِلٍ بِ «وَزِيرِسْتَانْ» ؛ فَحَانَ حِينَهَا أجْلُهُ بِقَصفٍ جَبَانٍ غَادِرٍ مِنْ طائرةٍ أَمْرِيكِيَّةٍ بِدُونِ طيَّارٍ؛ نَالَ الشَّيخُ - رحمه الله - عَلَى إثْرِهِ شَرَفَ الشَّهَادَةِ مَعَ ابنِهِ عِصَامٍ -أَرْبَعَةَ عَشَرَ عَامًا-، بَعْدَ أنْ قَضَى أجَلَهُ المكتُوبَ: ثَلاثَةً وأَرْبَعِينَ (43) عَامًا.. وبَدَأَ حِينَهَا آخِرَ هِجْرَةٍ لَّهُ فِي حَيَاتِهِ؛ حَيثُ هَاجَرَ إِلَى ربِّهِ - سبحانه وتعالى - شَاكِيًا لَهُ تَقَاعُسَ العُلَمَاءِ وَقِلَّةَ العَامِلِينَ فِي زَمَنِ الصَّبْرِ.. وَلَكَأَنِّي بِأميرِ الشُّعَرَاءِ «أَحْمَدَ شَوْقِي» يَرْثِيهِ قَائِلًا:
رَكَزوا رُفاتَكَ في الرِمالِ لِواءَ ... يَستَنهِضُ الوادي صَباحَ مَساءَ
يا وَيحَهُم نَصَبوا مَنارًا مِن دَمٍ ... تُوحِي إِلَى جيلِ الغَدِ البَغضاءَ
جُرحٌ يَصيحُ عَلى المَدى وَضَحِيَّةٌ ... تَتَلَمَّسُ الحُرِّيَةَ الحَمراءَ
يَا أَيُّها السَّيفُ المُجَرَّدُ بِالفَلا ... يَكسُو السُّيوفَ عَلى الزَمانِ مَضَاءَ