صباحًا، وفيه إشارة إلى المبادرة والتبكير، وفيه دلالة على قوة الحرص على الخير والمسابقة إليه وقوة الاهتمام به كما تقدم، وكذا قوله: «كلهم يرجو أن يُعطاها» أي كل الصحابة، ولعله من العموم المراد به الخصوص، والمقصود والله أعلم: كل من تأهل في الجملة لنيل هذه المرتبة، وهم جماعة مقدمي الصحابة المقربين، والسادة السابقون من المهاجرين والأنصار - رضي الله عنهم - وأرضاهم، ومنهم عمر - رضي الله عنه -، قال: «ما أحببت الإمارة إلا يومئذ؛ قال: فتساورت لها رجاء أن أدعى لها» رواه مسلم وغيره (1) ، ومنهم بريدة بن الحصيب الأسلمي - رضي الله عنه -، قال: «وأنا فيمن تطاول لها» رواه أحمد وغيره (2) .
وفيه كما تقدم حرص الصحابة على الفضيلة ومحبتهم للخير، رغم عدم حرصهم على الإمارة إلا أنهم هنا كان دافعهم الحرص على هذه الفضيلة والمنقبة العظيمة.
قوله: فقال: (أين علي بن أبي طالب؟) فقيل: «هو يا رسول الله يشتكي عينيه» ؛ لم يكن حاضرا ولعله حتى لم يسمع بالبشارة المجملة أمسِ، وهذا يبين لك أنه فضل الله يؤتيه من يشاء، وأنت ترى أن من حضر وحرَصَ وغدا وتعرَّض لم ينلها، ومن لم يكن في وارد ذلك كله أتت إليه تسعى! لكن فضل الله تعالى له أسباب يجريها الله لمن شاء أن يكرمه من خلقه .. فما نال عَلِيٌّ هذه المنقبة إلا لما هيأه الله لها وقواه على تبوئها؛ بأسباب العمل الصالح والشكر والصبر والذكر والسبق إلى الخير.
جاء في لفظ آخر: «أنه كان به رمدٌ شديد» (3) .
قوله: «قال-أي الراوي-: فأرسَلُوا إليه, فأُتي به, فبصَقَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في عينيه, ودعا له, فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع, فأعطاه الراية» فيه معجزة للنبي (, وهي من جملة معجزاته الكثيرة في إبراء المرضى وغير ذلك.
قوله: «فبَرَأ» أي شفي من مرضه, وتعافى, وهو بفتح الراء أفصح, وفيه لغة أخرى: برِئ بكسر الراء, وهذه أكثر ما تستعمل في البراءة التي هي ضد الوَلاء.
• استلام الراية والتثبت من المهمة:
قوله: «فقال علي: يا رسول الله, أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟» لما تحققت فيه - رضي الله عنه - الفضيلة والبشارة
(1) صحيح مسلم (2405) .
(2) مسند أحمد (22993) وقال الأرنؤوط: حديث صحيح.
(3) صحيح البخاري (3702) ولم يذكر «شديد» .