[الحلقة التاسعة والأخيرة التي كتبها الشيخ - رحمه الله - مجلة طلائع خراسان، العدد الثامن عشر، ربيع الآخر 1432]
ما زلنا في تأمّل قوله - عليه الصلاة والسلام - (ولا تلتفت .. )
الالتفات معناه في اللغة معروف، وهو الانصراف بالنظر أو الوجه والبدن إلى جهة ما .. هذا هو معناه في الأصل، أو لنقل: هو معناه في أكثر الاستعمال، وإن شئت فقل: هذه هي حقيقتُهُ، والمعنى الآتي مَجازٌ، وقد يكون الالتفات بالقلب أيضا، وهو التفات القلب والعقل إلى شيء ما من الذوات أو المعاني، سواء كان هذا الالتفات إرادةً وتعلّقًا، أو إدراكًا وتصوُّرًا.
وواضح من ذلك أن الالتفات يكون خيرا، ويكون شرا؛ يكون محمودا ويكون مذمومًا.
وأكثر ما جاء ذكر الالتفات في كلام الله - عز وجل - وفي كلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- مسلَّطًا عليه النهي، أو النفي، وكذا هو في كلام العقلاء والبلغاء، وذلك أن الأصل أن يمضي الإنسان في طريقه (حسيًّا أو معنويًّا) في استقامة واطمئنان حتى يصل إلى مقصوده وغايته، ولا يلتفت؛ فإن الالتفات خروج عن تلك الصفات وناقضٌ لها.
في كتاب الله تعالى .. ٹٹ قال تعالى: {قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) } [هود] ، وٹٹقال تعالى: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) } [الحجر] .
وفي حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- .. الأحاديث الواردة في النهي عن الالتفات في الصلاة لفظا ومعنى وهي كثيرة جدا، منها: عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الالتفات في الصلاة، فقال: (هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد) رواه البخاري (1) ، عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا يزال اللهُ مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت؛ فإذا صرف وجهه انصرف عنه) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وغيرهم (2) ، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «أوصاني خليلي (بثلاث ونهاني عن ثلاث .. نهاني عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفاتٍ كالتفاتِ الثعلب» رواه الإمام
(1) صحيح البخاري (751) .
(2) مسند أحمد (21508) وقال الأرنؤوط: صحيح لغيره، سنن أبي داود (909) ، سنن النسائي (1195) ، صحيح ابن خزيمة (482) ، المستدرك (862) وصححه هو والذهبي، وضعفه الألباني في: ضعيف الجامع (6345) ، لكن أشار إلى تصحيحه في: أصل صفة الصلاة (1/ 236) .