الشدة ضعفٌ وخوَرٌ، والشدة في محل اللين حمق وخرق، وقد قال أبو الطيب المتنبي:
إذا قيل حلمٌ قل فللحلمِ موضعٌ ... وحلمُ الفتى في غيرِ موضعه جهلُ» (1)
انتهى، وفي «التحرير والتنوير» : «ومعنى اتّباع محمدٍ ملّةَ إبراهيم الواقعِ في كثيرٍ من آيات القرآن أن دينَ الإسلام بُني على أصولِ ملّة إبراهيم، وهي أصول الفطرة والتوسّط بين الشدّة واللّين، كما قال تعالى: {مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] » (2) اهـ.
وسورةُ النور في القرآن مثالٌ لمن أراد أن يتأمّل هذا الأصل في التربية: «والمحور الذي تدور عليه السورة كلها هو محور التربية التي تشتد في وسائلها إلى درجة الحدود، وترقى إلى درجة اللمسات الوجدانية الرفيقة، التي تصلُ القلبَ بنور الله وبآياته المبثوثة في تضاعيف الكون وثنايا الحياة، والهدفُ واحدٌ في الشدة واللين، هو تربية الضمائر، واستجاشة المشاعر، ورفع المقاييس الأخلاقية للحياة، حتى تشف وترف، وتتصل بنور الله، وتتداخل الآداب النفسية الفردية، وآداب البيت والأسرة، وآداب الجماعة والقيادة، بوصفها نابعةً كلها من معين واحد هو العقيدة في الله، متصلة كلها بنور واحد هو نور الله، وهي في صميمها نور وشفافية، وإشراق وطهارة، تربية عناصرها من مصدر النور الأول في السماوات والأرض، نور الله الذي أشرقت به الظلمات، في السماوات والأرض، والقلوب والضمائر، والنفوس والأرواح» (3) اهـ، والحمد لله رب العالمين.
الجهادُ شريعةٌ من شرائع الله - عز وجل - جاء بها دين الإسلام، كما كانت مشروعة في شرائع بعض الأنبياء السابقين كموسى ومَن بعده من أنبياء بني إسرائيل، كيوشع بن نون وداود وسليمان، وغيرهم.
قال بعض العلماء: إن بدءَ تشريع الجهاد كان في شريعة موسى - عليه الصلاة والسلام - بعد هلاك فرعون، واستنبطوه من قوله تعالى في سورة القصص: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43) } ، وقوله في سورة المؤمنون: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ
(1) أضواء البيان (1/ 415، 416) .
(2) التحرير والتنوير (14/ 206) .
(3) في ظلال القرآن (4/ 2486) . [المؤلف، عدا العزو]