فهرس الكتاب

الصفحة 1273 من 1908

* قمة التخلف

إذا صح معنى هذا العنوان وهو أن للتخلّف قمة؛ فإني رأيت أصنافًا من خلق الله يتربّعون -ولا فخر- على هذه القمة فأولهم النصارى من الأمم الغربية والشرقية، ووجه تخلفهم أنهم تمسكوا بدين قديم وتعصبوا له وجعلوه محورَ هويتهم وجزء كينونتهم، لا يقبلون عنه تزحزحًا ولا يتطلعون إلى أهدى منه، مع أن الرب - عز وجل - الذي أنزل هذا الدين قد أرسل إليهم وإلى الناس كافة رسولًا بعده يخبرهم أنه قد نسخ تلك الشريعة وأنه يبيّن لهم ما هم فيه مختلفون، وأنه أتاهم بالدين الأكمل والشريعة الأتم؛ فأبوا إلا التمسك بالقديم الذي اختاره يومًا من الأيام آباؤهم وأجدادهم، هذا على فرض بقائه كما أنزله الله، فكيف وقد حُرّف وبدّل حتى صار شيئا آخر.

فأي تخلّف أبعد من هذا وأسخف؟!

وقل مثلهم في اليهود وأولى.

والصنف الثاني ممن يتربعون على قمة التخلّف العلمانيون والمستغربون من بني جلدتنا؛ قومٌ أكرمهم الله بأفضل دين وأكمل شريعة وأعظم رسالة، وبعث فيهم أفضل خلقه وخيرته منهم، وبلسانهم، وعلى صبغتهم {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا} [الرعد: (37) ] حتى قال الإمام الشافعي في قوله تعالى {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: (157) ] : «ما استخبثته العربُ فهو الخبيث» (1) ، ومع ذلك فهم يتملّصون منه ويستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويبدّلون نعمةَ الله كفرًا، ولا يدّخرون جهدًا في التبرؤ من معرّته كما صوّرت لهم شياطينهم -وحاشاه- وتحريفه وتأويله على غير تأويله ليرضوا بتأويلهم بني الأصفر والأبيض الذين ملكوا عليهم قلوبهم وأشربوا حبهم والانبهار بهم، {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) } [مريم] .

فهل رأيتم تخلفًا أبعد من هذا وأشدّ غُبنًا؟!

والصنف الثالث من المتربعين على تلك القمة السحيقة غلاةُ الأمازيغ في بعض بلاد مغربنا العربي الكبير، قومٌ منّ الله عليهم بأن أدخل عليهم الإسلام والعربية لغةَ الإسلام، حتى صاروا عربًا لا

(1) انظر: مختصر المزني (8/ 393) ، قال الشافعي - رحمه الله: «وَإِنَّمَا خُوطِبَ بِذَلِكَ الْعَرَبُ الَّذِينَ يَسْأَلُونَ عَنْ هَذَا وَنَزَلَتْ فِيهِمُ الْأَحْكَامُ، وَكَانُوا يَتْرُكُونَ مِنْ خَبِيثِ الْمَآكِلِ مَا لَا يَتْرُكُ غَيْرُهُمْ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت