أم المؤمنين «خديجة بنت خويلد» - رضي الله عنها -
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وآله وصحبه، وبعد:
يقولون: «وراء كل رجلٍ عظيم امرأة» ، والمعنى أنه في الغالب يكون وراء الرجال العظماء نساءٌ عظيماتٌ أيضا، إما على معنى أنهنَّ هنَ السبب المباشر أو أحد العوامل الرئيسية في عظمتهم بالتربية والتنشئة على أسباب العظمة، أو على معنى أنه في الغالب أيضا يكون مع الرجل العظيم في مسيرته نساءٌ عظيمات بمواقفهنّ في نصره وتأييده؛ فتكون المرأة عظيمة بدورها مع هذا الرجل العظيم ..
والمقصود أن للمرأة دورًا كبيرًا مع الرجل، وإنما يظهر هذا في حال العظماء، وسواءٌ كانت هذه المرأة زوجةً أو أمًّا أو غيرها.
وفي حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فوجه العبارة -إن كان ولا بد- هو أن المرأة وراءَ النبيّ بالتأييد والنصر والوقوف معه المواقف العظيمة، لا بمعنى أنها هي التي جعلته عظيمًا وأعطته العظمة ولا أنها أنشأته .. الخ، كما هو واضحٌ، فالرسول: الله اختاره واصطفاه واجتباه وجعله رسولا نبيا {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] وجعله عظيمًا، سواءٌ كانت المرأة أو لم تكن، لكن الله سبحانه أجرى خلقه وأقداره على سننٍ وأسباب، وأسبل فضله على منْ شاء مِن خلقه.
خديجة وما أدراك ما خديجة؛ العظيمة الكاملة، أم المؤمنين - رضي الله عنها -، بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية، أول من آمن برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، آمنت به وصدّقته لأول وهلةٍ، وأيدته وقفت معه .. أتى جبريل - عليه الصلاة والسلام - إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «يا رسول الله: هذه خديجة قد أتت ومعها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها [ومني] ، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب» متفق عليه (1) .
كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحبها حبا بالغا؛ قالت عائشة - رضي الله عنها: «ما غرت على أحد من نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- ما غرت على
(1) صحيح البخاري (1792، 3820، 7497) ، صحيح مسلم (2433) .