فلو أن الشيعة الرافضة قالوا: نحن ديننا ومذهبنا هو كذا وكذا بشكل واضح بيّن، وأعلنوه بدون خداع ولا تقية، وتحمّلوا ما يكون من نتائج بشجاعة، فيعلنون مثلًا أنهم يعتقدون كفر أبي بكر وعمر وعثمان وسائر الصحابة، ماعدا فلانًا وفلانًا، نفرًا معدودين على أصابع اليدين، ويستعلنون بالطعن في أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - ورميها بما برأها الله منه وغيره، ويعلنون بقولهم: إن القرآن هذا الموجود عندنا اليوم في مصاحف المسلمين هو محرّف لا يوثق به لأنه من رواية الصحابة وإن الصحابة زوروه وحرفوه، وإن القرآن الحقيقي الذي أنزله الله على محمد -صلى الله عليه وسلم- غير موجود اليوم إلا عند إمامهم المعصوم الغائب «المهدي السردابيّ» (1) ، وهكذا في سائر عقائدهم يعلنونها بصراحة وصدق وشجاعة .. لو أن الرافضة فعلوا ذلك، لكنا نحن المسلمين نتعامل معهم كما نتعامل مع سائر أهل الملل والنحل المنحرفة بما يستحقون من حكم نظري اعتقاديّ ومن تصرف عمليّ سياسي يوجبه حكم الله في أمثالهم.
لكن المشكلة مع هؤلاء الرافضة أنهم لا يعلنون شيئًا، ولا يمكن أن تخرج بسؤالهم أو التحاور معهم بشيء يملأ يدك أبدًا، والطامع في ذلك واهمٌ والمعتمد على ظاهرِ جوابهم مغفَّل لا يصلح أن يكون للناس إمامًا .. ! فالقوم عندهم ظاهرٌ يعلنونه للناس بأشكال مختلفة تتناسب مع كل نوع من أنواع مخاطبيهم، وباطنٌ هو حقيقة أمرهم، فلم يكن بدٌّ من الوصول إلى معرفة باطنهم بأنواع الدلائل التي يُستدَل بها على بواطن الأمور وحقائقها، عندما يختلف الظاهر والباطن.
معلومٌ أن الأصل في الإنسان أنه يؤخذ بظاهره ويحكم عليه به، إذ الظاهر هو المشاهَد لنا والمعلوم، والباطن لا يمكن معرفته، هذا في الجملة هو الأصل، لكن حين تدل الدلائل على باطنٍ يخالِف الظاهر فإن المعوَّل عليه والمعتمد هو الباطن لأنه حقيقة الشيء وحقيقة الإنسان، وحينئذ يكون الظاهر كذبًا وتصنْعنًا (2) ، ويسمى في الشريعة نفاقا وزندقةً.
هؤلاء القوم عندهم قدر كبير جدا من «الباطنية» بهذا المعنى، لأن الباطنية لها معنيان:
(1) فإن جادلوا بأنَّ هذا قول متروك لبعض علمائهم، وأن ما عليه الشيعة منذ ألف سنة هو أن القرآن الموجود بأيدينا غير محرف .. إلخ؛ فيقال لهم: فما قولكم في أولئك البعض من علمائكم (وهم من أكابر علماء الطائفة عبر القرون) الذين قالوا هذا القول وسطروه في بعض أهم كتب مذهبكم؟ هل تعتقدون كفرَهم؟ أو على الأقل أن هذا القولَ الذي صدر منهم كفرٌ مخرجٌ من الملة، أو هو عندكم قولٌ معتبرٌ له وجهٌ وإن لم يكن الراجحَ عندكم؟ أو لعله الراجح لكن تركتموه لملحظٍ سياسي اعتمادًا على «العنوان الثاني» (المصلحة) ؟ أو غير ذلك؟ فبذلك يظهر تناقضهم وتهافتهم .. وهكذا يقال في سائر المسائل. [المؤلف]
(2) كذا في «الأصل» ، ولعل الصواب: تصنُّعًا.