أتذكر يا أبا الفرج يوم عزمت ثم على الله توكلت ثم ألقيت ثِقال الأرض عن كتفيك، ورميت الهوى وشهوات الدنيا ومفاتنها وزخارفها وراءك ومضيتَ مهاجرًا إلى الله، باذلًا النفس والروح في سبيل الله نصرًا لدينه ومحبةً له وطلبًا لرضاه وطمعًا فيما عنده، ونصب عينيك الدرجات العلى وهمّتك المقامات الرفيعة؛ مقامات الرجال ومناصب الأبطال، تزاحم السابقين ولا ترضى غير مراتب المجلّين .. أتذكر يا أبا الفرج يوم هاجرت صغيرا وقد تضاءلت الدنيا أمام همتك، وتقازم الكبراء أمام طموحك، وتقاصر الأقوياء دون بلوغ شأنك .. كنتَ تقرأ: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) } [العنكبوت] .
كنت من يومها تبصر مواضع طريقك، وتدرك مخاطر دربك، وتعرف أنهُ:
لا يبلغ المجدَ إلا سيّدٌ فطنٌ ... ما يشُقُ على السادات فعّالُ
لولا المشقّة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر الإقدامُ قتّال (1)
كنت يومها تفقه -وأنت الفقيه النفس اللبيب- أن العبد الكامل العبودية لربه - عز وجل - لا يشترط على الله شيئًا ليحقق عبوديته لربه، ولكنه يبيع نفسه لله تعالى يفعل بها ما يشاء بلا شرط ولا مثنوية، ولا يقيل ولا يستقيل.
فصبرًا أبا الفرج .. فإن تكُ أسِرتَ فقد أسِر الأبطال من قبلك، وإن كنت قد غُلِبتَ فلقد طالما غلبتَ، ومازلت غالبًا ظاهرًا بالحق على أعدائك .. صبرًا أبا الفرج؛ فإنما هي صبرُ ساعةٍ وعما قليلٍ ليصبحُنّ نادمين .. صبرًا أبا الفرج فإن ساعة النصر الحقيقي قد اقتربت، يوم يقال: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج: 19] .. مزيدًا يا أبا الفرج من الصبر والمصابرة واتل عليهم: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) } [سبأ] .
اللهم فرّج عن عبدك أبي الفرج وانصره على القوم الكافرين، اللهم أنزل عليه السكينة وغشّه الرحمة وأفرغ عليه صبرًا وثبت قلبه ولسانه، اللهم صُب عليه الثبات واليقين صبًّا، اللهم اعفُ عنه وتقبل منه وأحسن ختامه وأكرمه بالدرجات العُلى.
(1) قاله المتنبي، ينظر: الأمثال السائرة من شعر المتنبي (ص 65) .