أرجع إلى الإسلام، ويكفر الرجل أهله وزوجه وولده كل يوم، وتحصل عندهم من المفاسد الاجتماعية والإنسانية ما لا يقدرون -مع طول الوقت- على الصبر عليه؛ لأنهم أوقعوا أنفسهم في التشديد والحرج والضيق وما لا تقوى نفوس البشر في العادة على تحمّله على دوام الأزمان، ولم يقبلوا منّة الله عليهم بالتوسعة والتيسير، بل شددوا فشدد الله عليهم.
فيحصل أن يصل بعضهم إلى حالات الكفر الصريح بالله - سبحانه وتعالى - وبالأنبياء ورسالات الله - عز وجل - .. ويصل إلى سب الله - سبحانه وتعالى - رأسًا .. ! والعياذ بالله - سبحانه وتعالى - من هذه الأحوال الرديّة .. ويصل بعضهم إلى حالات يأس وقنوط، وإلى الانتحار .. !
والسبب الظاهر المباشر لذلك -والله - سبحانه وتعالى - أعلم-؛ هو كثرة وقوة مناقضة الفطرة ودين الفطرة ... -الإسلام دينُ الفطرة- .. وكثرة وقوة التضييق على النفس حتى تملّ وتعيى وتتعب وتصير تتفلت وتنفر ولا تقوى على حمل تكاليف الدين، ثم تصير إلى أنواع من الحيل الشريرة والتأويلات الفاسدة غير المستساغة .. وكثرة وقوة مناقضة ظواهر الشريعة ودلالاتها المتنوعة على الحقائق؛ فيحصل عندهم في البداية نوعٌ من المكابرة ثم يكتشفون أدلة أخرى وتعترضهم إشكالات تتكاثر عليهم وتغلبهم ويحيرون في الجواب ويزدادون في المكابرة ولا سيما إن كان الواحدُ منهم رأسًا في فرقته وجماعته متبوعا قد تصدّر وصار له أتباع وأقوال ومذهبٌ، فيصعب عليه الرجوع إلى الحق، وهذا من معنى قوله - سبحانه وتعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24] ، وهكذا يحصل عند الواحدِ منهم تأنيبُ ضمير ويشعر بقوة التناقض في نفسه، فقد يصل إلى حالات قصوى من المرض النفسي والخبلِ أو يصيرُ إلى الزندقة المحضة والكفر بالله العظيم، والعياذ بالله.
-تكفيرهم لعموم المسلمين بما فيهم خيارُهم من العُبَّاد والزهاد والمجاهدين والاستشهاديين وأهل العلم والدعوة والبذل في سبيل الله - سبحانه وتعالى -، يكفرونهم كلهم، ولا يحكمون إلا بإسلام نفرٍ قليل هم جماعتهم ومَن كان مثلهم فقط، بل ويحكمون بكفر سائر الأمة في قرونها المتأخرة، وهم يجدون في الأحاديث النبوية وظواهر الشريعة أن أمة الإسلام لا يزال نسلها مستمرا باقيًا إلى قربِ قيام الساعة حين يأذن الله - سبحانه وتعالى - بأخذ أرواح كل أهل الإيمان، ويجدون في الأحاديث مدحًا لبعض أعصُر (1) الأمة وأزمنتهم وأمكنتها والإخبار ببقاء الإسلام والإيمان والصلاح فيها وفي أهلها، وأحاديث الطائفة
(1) «أعصر» جمع «عصر» ؛ ينظر: المصباح المنير (2/ 413) .