فهرس الكتاب

الصفحة 667 من 1908

الناس في تحقيقها والعلم بها، وسائرها مسائل اجتهاد لا يزال العلماء قديما وحديثا يختلفون فيها أو في تنزيلها على الوقائع والأعيان، ولا يوجب ذلك تفرقا ولا تنازعًا ولا مشاحنة، بل قلوبهم سليمة متوادة متحابة، يعذر بعضهم بعضًا، وإنما الجهالُ الضلال الذين يضيقون ذرعا بمن يخالفهم في «قطعياتهم المزعومة» هم الذين يوالون ويعادون ويضللون ويكفرون وَفق ما أملته عليهم أهواؤهم الزائغة وعقولهم المنحرفة:

خفافيش أعماها النهار بضوئه ... ووافقها قطع من الليل مظلم (1)

وإذا تأمل مريدُ الخير وطالب الحق ورضى الرحمن - عز وجل - ضلال هؤلاء القوم يجده مبنيًا على مجموعة مسائل من أهمها هذه المسائل الثلاث المشار إليها أعلاه.

-مسألة العذر بالجهل

فهم يقولون: لا عذر بالجهل في أصل التوحيد، ويجعلون نفس اعتقاد ذلك من أصل التوحيد؛ فمن لم يعتقد ذلك كان كافرًا عندهم، يعني أن من خالفهم في مسألة العذر بالجهل فهو كافرٌ خارج من ملة الإسلام، فجعلوا هذه المسألة نفسها من أصل الدين الذي يكفر مخالفه ولا يُعذر فيه باجتهاد ولا جهل ولا أي شيء، فيقولون مثلا: الشيخ «أبو قتادة الفلسطيني» كافرٌ لأنه يعذر المشركين بالجهل.!! كذا يقولون، مع أن هذا ليس تقريرا صحيحا لمذهب «أبي قتادة» ، بل تقريرهم هذا تزويرٌ وتهويلٌ خادِعٌ، والصحيح أن نقول: أبو قتادة (وغيره من العلماء وهم كثيرٌ من علماء الأمة) يرون أن المسلم الذي ثبت له عندنا عقدُ الإسلام، إذا ارتكب شيئا من الشرك الأكبر جاهلا، وصحَّ الجهلُ، أنه لا يكفر (أي لا نحكم عليه بالكفر والخروج من الملة) بمجرد ذلك، بل حتى تقام عليه الحجة فيخالفها، هذا قولهم، وهو أحدُ الأقوال في المسألة وأقواها، على تفاصيل وقيود لا بد منها تعرَف في محلها .. فهذا تقرير كلام علمائنا، وليس مقصودنا هنا تقرير المسألة وذكر تفاصيل أدلتها والخوض في الترجيح بين أقوال المتنازعين فيها، فهذا صعبٌ ويطول جدا وله محله، وإنما المقصود بيان أصل من أصول ضلال هذه الفرقة المارقة، وأنهم حينما أقحموا مسألة لم يزل الخلاف قائما فيها بين العلماء فيما أسموه أصول الدين وقواعده واعتقدوا قطعيتها، ولم يفرقوا بين ارتكاب الشرك والتلبس به وبين الكلام على مرتكبه وإعذاره أو عدم إعذاره، وجعلوا التفريق بين الكفر والشرك في هذا أصلا من أصول الدين كذلك

(1) قاله ابن الرومي، كما في: ديوانه (1/ 93) ولفظه: خفافيش أعشاها نهار بضوئه ... ولاءمها قطع من الليل غيهبُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت