فهرس الكتاب

الصفحة 1628 من 1908

يكون جشعًا؛ فالناس يأكلون بالحبة وهم محتشمون وهو يستغل فرصة استحياء الناس، وهذا الأمر ليس جيدًا؛ حتى في الخلق في الظاهر في الصورة، وؤدي إلى فساد الأخلاق وانتشار قلة الحياء في الناس، والشريعة راعت أن الأخلاق المذمومة تبقى دائمًا مذمومة وتعمق في قلوب الناس وفي نفوسهم ذمها وألا يستعملوها؛ لأن هذه الأخلاق الفاسدة إذا انتشرت واستمرأها الناس فإنها تؤدي إلى انعكاسات في نفوسهم قبيحة جدًا جدًا، فنهت عن القِران إلا أن يستأذن صاحبه، مثلًا: كان يأكل بسرعة: اسمح لي يا أخي آكل بسرعة وماشي، أو كان التمر كثيرًا لا يُخشى عليه من التزاحم والتشاحّ، لكن في الحالات التي يكون قليلًا فتأكل بالحبة، وتعلم نفسك ألا تأكل سريعًا ولا تكبر اللقمة، يضع طرف الجبنة في الغمسة الأولى يأخذ نصفها! لا، تأخذ القليل وتعلم نفسك وتعلم الآخرين وتعلم من حولك وهكذا، وحتى في تربية الأطفال هذه مهمة جدًا؛ علمه ألا يكبر اللقمة .. فهذه من أسباب البركة، والإنسان لا يتشدد في العدل لدرجة أنه يقسم ويحسب ويعد ويكيل في هذه الأمور.

* السبق

السبق له مزية وفضيلة؛ لكن ليس معناه أن السابق هو أفضل بالضرورة من اللاحق، فالعلماء وخاصة الأدباء منهم تكلموا في مسألة «أيهما أفضل؛ السابق أم اللاحق؟» ، وهو كلام فلسفي ليس له قيمة كبيرة، والأدباء مغرمون بمثل هذه المسائل وعندهم فيها أشعار وأنظام (1) وغيرها، لكن الحق الذي حققه علماؤنا أهل التحقيق إذا قالوا: «الفضل للفاضلِ لا للسابق ولا لِلَّاحقِ» .

الفضل للفاضل، الفاضل في نفسه وفي ذاته، والسبق هو مزية من المزايا، والمزية لا تقتضي الأفضلية الكلية، المزية الواحدة مع مجموع المزايا ومجموع الفضائل تُكَوِّن قيمة الإنسان الكلية.

هذا الإنسان سابق وهو فاضل في ذاته؛ عنده علم وعنده تقوى وصلاح وخشية وشريف النسب وبلاؤه حسن وكذا وكذا، هذه مجموعة مزايا.

ورجل ثانٍ عنده سبق؛ فعنده فضيلة السبق لكن ليس عنده باقي المزايا، أو عالم فقط لكن ليس عنده بقية المزايا، فنحن عندما نقارن بين الناس نقيس المزايا هنا وهنا؛ نعمل موازنة فيكون الفضل للفاضل الذي هو أكثر مزايا وأكثر فضائل، هذا هو الأفضل، السبق مزية من المزايا لا تقتضي بالضرورة أفضلية السابق على كل حال.

لكن لا شك أن السابق إلى الخير والسابق إلى الفضائل والسابق إلى الجهاد وإلى الهجرة وإلى الإسلام

(1) أنظام: جمع نظم، وقد استُعملت هذه الكلمة كثيرا عند الشناقطة؛ كما في: الوسيط في تراجم أدباء شنقيط (ص 40) وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت