عنده مزية من جهة كونه سابقًا؛ فإذا أضيف إليها مزايا أخرى تكمُل فضيلته، وغيره قد يفقد فضيلة السبق لكن عنده مزايا أكثر غلبت على غيره؛ فيكون أفضل إذا كان مجموع فضائله أكثر من الأخرى.
نضرب مثالًا: سيدنا عمر - رضي الله عنه - ليس من السابقين بالنسبة لكثير من الصحابة، ومذكور في السيرة أنه أسلم على رأس أربعين شخصًا (1) ؛ فالعشرة المبشرون بالجنة كلهم قبله، التسعة الآخرون هو عاشرهم، إسلامهم كلهم قبله بكثير جدًا، وأبو بكر كان أول رجل إسلامًا، ثم عثمان، قيل عثمان هو الذي جاء وراءه أبو عبيدة وعبد الرحمن وطلحة والزبير، قالوا هؤلاء جاؤوا كلهم -وربما حتى سعيد بن زيد- على يد عثمان، وأبو بكر قبلهم، أبو بكر هو الذي أتى بعثمان ودعاه، وعثمان ذهب فكلم هؤلاء .. وعلي وحده كان في حجر النبي -صلى الله عليه وسلم- وأسلم، وقيل أنه أسلم حتى قبل أبي بكر، وفي المسألة والترتيب بين أي الناس أسلم أولًا أقوال معروفة.
ومع هذا؛ فسيدنا عمر أفضل من الجميع ما عدا أبي بكر، أجمع أهل السنة أن سيدنا عمر أفضل واحد من الصحابة بعد أبي بكر، فأبو بكر هو الأول إجماعًا، وعمر الثاني بعده إجماعًا، وعثمان الثالث على خلاف قليل في السلف كان ثم انتهى، ووقع الإجماع كذلك أن رُتَبهم في الخلافة هي رتبهم في الأفضلية، والله أعلم؛ أما أبو بكر وعمر فلا يوجد خلاف بين أهل السنة جميعًا، ما عدا الروافض الزنادقة وهؤلاء لا نتكلم عنهم هاهنا، حتى بقية الفرق: المعتزلة والجبرية والجهمية وغيرهم كلهم مع أهل السنة في هذه الأبواب؛ ليس هناك فرق في باب الصحابة.
فالمقصود: أن سيدنا عمر لم يكن سابقًا بالنسبة إلى عثمان؛ لكنه أفضل من عثمان، بماذا استحق الأفضلية؟ بما عنده من المزايا الأخرى، هم غلبوه بالأسبقية فهم أفضل منه بمزية السبق، لكن هو بمجموع المزايا غلبهم: الصلاح والتقوى والخيرية التي فيه، هي مجموعة مزايا صغيرة لكنها كثيرة جدًا؛ الأخلاق والفضائل والتقوى وقوة الإيمان والفقه وما فتح الله عليه بالعلم والعمل، فغلَب سيدنا عمر، فننتبه إلى هذه النقطة؛ نقطة الأسبقية.
[أحد الحضور: لو جمع بين السبق والغَناء، الغَناء هو فضله] .
الشيخ: لا، حُسن بلائه في الإسلام هو الذي فضله؛ فممكن أن يكون متأخرًا لاحقًا لكنه مثل «خالد بن الوليد» مجاهد شجاع وبطل ورجل صاحب اقتحامات؛ رجل يساوي ألفًا، ولكن رجل سابق مسكين وضعيف يساوي واحدًا فقط؛ فهناك فرق بينهما.
(1) انظر: تاريخ المدينة لابن شبة (2/ 660) بإسناده إلى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «أَسْلَمَ عُمَرُ بَعْدَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَعَشْرِ نِسْوَةٍ» .