مرت أمة الإسلام بأطوار ومراحل مختلفة في تاريخها من القوة والضعف، في جميع المجالات: السياسية والعسكرية والاقتصادية والحضارية [و] المدنية [و] الفكرية والعلمية وغير ذلك.
كانت قائدة العالم في وقت من الأوقات، ذاقَ العالم في ظل قيادتها طعم العدل والرحمة والإحسان، وهي الصفات الثلاث التي يقول جماعة من المؤرخين المنصفين إنها لم تجتمع في التاريخ كما اجتمعتْ في ظل قيادة الإسلام.!
وكان الصالحون من الخلفاء على نهج الرسول محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، ينشرون الإسلام ويدعون إليه ويفتحون بهذا الدين بلاد العالم، كانت فتوحاتهم وتوسعاتهم مثالا فريدا في التاريخ، لم تكن لدوافع اقتصادية ولا سياسية توسّعية للسيطرة ولقضاء الشهوات ولا للانتقام.. وإنما كانت لنشر الدين الحق والخير الذي جاءت به رسالة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وإيصاله إلى المستضعفين، ثم ترك الحرية لهم في أن يعتنقوه بعد ذلك أو يرفضوه، بعد أن يتحرروا من كل قوة تمنعهم من الاختيار.
ثم ضعفتْ دولة المسلمين وانحدرت بأسباب كثيرة: الغرور، والاغترار بمجرد الأسماء والألقاب والدعاوى، والانغماس في الشهوات.. وغير ذلك مما يصيب الأمم من الأمراض..! ولكنها رغم كل الضعف والانحطاط الذي أصابها، لا زالت في مجملها -كأمة- باقية صامدة على نفس المبادئ والأصول والأطر والتشريعات التي جاء بها نبيها محمد -صلى الله عليه وسلم- وهي تشهد اليوم نهضة قوية؛ بعد أن نشأ فيها مصلحون أقوياء من أبنائها، وبعد أن ذاقت مرارة العدوان والظلم والقهر من بعض الأوروبيين خاصة، وبعد أن تفطّنت لواقعها وحالها وإلى ما حولها من العالم، وأدركت أنها غفلت كثيرا وتخلفت في ميدان سباق الأمم؛ فجعلت تنفض عن نفسها غبار السنين، وتتململ للقيام والنهوض والعودة إلى المنافسة وإلى القيادة، وقد عرفت أن عزّها وشرفها وقوتها وسعادتها في هذه الحياة وفي الحياة الآخرة هي في التمسك بدينها وما يدعوها إليه دينها من الفضائل والأخلاق والقيم الخيِّرة الحميدة.!
جاء محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى الناس يقول لهم: إني رسول الله إليكم جميعا، بدين الله - عز وجل -، وهو الإسلام، وهو نفسه دين كل الأنبياء الذين بعثهم الله - عز وجل - قبلي. يقول: فنحن الأنبياء كلنا إخوة، كلنا رسل الله - سبحانه وتعالى -، ديننا واحد لا يختلف، وهو توحيد الله، أي عبادة الله وحده لا شريك له، لا نعبد أحدًا غيره ولا معه، بل نكفر بكل معبودٍ سواه، فإن كل ما عُبد سواه فهو معبودٌ بالباطل، لا يستحق العبادة.. إن الله - عز وجل - هو وحده الحقيق بالعبادة، لا يشاركه في ذلك أحد.