استمعتُ البارحة إلى حلقة برنامج «حديث الساعة» في إذاعة البي بي سي العربية، وقد جمعوا عددا من خبراء «الإرهاب» وأهل الرأي والثقافة، يتحاورون ويتباحثون في هذا الأمر الذي أفزعهم، يحاولون فهمه -على أصولهم- ووضع حلولٍ له ومعالجات، واقتراح أفكار للقضاء عليه!!
انتقل بي الخيال وأنا أتابع حديثهم إلى أعماق الزمن البعيد: فرعون مصر يجمع خبراءه وأهل مشورته وأهل الرأي في مملكته ويستشيرهم ويتباحث معهم في شأن موسى ومن معه! كيف يمكن القضاء عليهم ومعالجة هذه المشكلة المتفاقمة بهم والتي توشك أن تفسد عليهم ملكهم، هؤلاء الذين يريدون أن يبدلوا دينهم ويظهروا في الأرض الفساد: {أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} [الأعراف: 127] ..
الحلّ الأمني، والعلاج الثقافي والفكري، تجفيف المنابع، وتدمير البنية التحتية لهذا الفكر الخطير .. !
وحلق بي الفكر في مكة قبل أربعة عشر قرنًا وقد اجتمع كبراء قريش وساداتها في دار الندوة وجمعوا معهم مثقفين وإعلاميين وشعراء وأهل رأيٍ وتجربة من أفخاذ قريش وسائر القبائل القريبة الحليفة، يتشاورون ويأتمرون ويتباحثون؛ ما هذا الدين و «الفكر» الخطير الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي يفرق بين المرء وزوجه وبين الأخ وأخيه، يريد أن يفسد ديننا ودين آبائنا ويغيّر قِيمَنا، وطريقةَ عيشنا، ويفرض علينا نمطه الفكري المتشدد المتزمّت؟ ما العلاج وما السبيل للقضاء عليه؟
الحلّ الأمني، العلاج الثقافي والفكري، الحلول الاجتماعية والاقتصادية، معالجة الفقر والبطالة، وتجفيف المنابع، وتدمير البنية التحتية لهذا الإرهاب الخطير .. !
لم يردْ هؤلاء المجتمعون المتحاورون جميعا على مدار التاريخ أن يسألوا أنفسهم: هل محمد - صلى الله عليه وسلم - محقّ أو كاذب؟ تعالوا ننظر أولًا ونبحث في هذا، هذا هو الأساس، فإن كان محقا صادقا رسولا من عند الله اتبعناه ولو جاء بالمشقة، فإننا عبيد الله، خلقنا للتكليف والامتحان الابتلاء .. !
لم يُردْ أولئك المجتمعون المؤتمرون جميعا أن يسألوا أنفسهم: أنحن على حقّ في ديننا وتصورنا وقيمنا وسائر أوضاعنا أم أولئك «الإرهابيون» ؟، تعالوا نبحث هذا ..
ليكن ها هو محل التباحث والتشاور .. فإن كان حقا اتبعناه، وإن كان باطلًا حاربناه على بصيرة.!!