فهرس الكتاب

الصفحة 1632 من 1908

في حق الله - سبحانه وتعالى - قلنا: إن الله - عز وجل - حكم عدل قائم بالقسط وأنه حرم الظلم على نفسه وحرمه بين عباده وأنه لا يظلم أحدًا وما هو بظلام للعبيد، وقلنا: إن الله - سبحانه وتعالى - يعامل الخلق على وجهين وعلى نحوين من المعاملة؛ إما بالعدل وإما بالفضل، إذا عاملهم بالعدل فقد هلكوا! فالذي يعامله الله - سبحانه وتعالى - بالعدل يهلك؛ لأنه يعطيه ما يستحقه، العبد مهما عبَد الله فهو مقصر لا يساوي شيئًا، عبادته كلها لا تساوي شيئًا، لا يستطيع أن يوفي الله حقه، وأبسط النعم لا يستطيع أن يؤدي شكرها؛ قال - سبحانه وتعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: 18] بمعنى: لا تعدوها، وبمعنى: لا تستطيعوا مكافأتها بالشكر.

وكما قال الشاعر:

إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةٌ ... عَلَيَّ لَهُ فِي أَمْثَالِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ

فَكَيْفَ وُقُوعُ الشُّكْرِ إِلا بِفَضْلِهِ ... وَإِنْ طَالَتِ الأَيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ

إِذَا مَسَّ بِالسَّرَّاءِ عَمَّ سُرُورُهَا ... وَإِنْ مَسَّ بِالضَّرَّاءِ أَعْقَبَهَا الأَجْرُ

وَما مِنْهَا إِلا لَهُ فِيهِ مِنَّةٌ ... تَضِيقُ بِهَا الأَوْهَامُ وَالْبَرُّ وَالْبَحْرُ (1)

والعلماء عبروا عن هذا وقالوا أن شكر نعمة الله مهما حاول الإنسان أن يشكرها فإنه لا يستطيع؛ لأن نفس الشكر نعمةٌ تقتضي مزيدًا من الشكر -هذا هو المعنى المراد من الأبيات-، أن يوفقك الله أن تشكر نعمته فهذه نعمة أخرى اقتضت شكرًا آخر، وهكذا تتسلسل النعم، ولا يستطيع الإنسان أن يوفيه - سبحانه وتعالى - حقه؛ فهذا باب الدلالة العقلية أن الإنسان لا يستطيع أن يقوم مقام الشكر، أي لا يستطيع أن يوفيه لله - سبحانه وتعالى -، ولهذا لم يفرض الله علينا إلا ما استطعنا وعفى عنا وعلم ضعفنا وعجزنا، فالله عاملنا بفضله، ولو عاملنا بعدله لهلكنا.

* الجهاد والدعوة

نريد أن نركز على بعض النقاط ونذكر بها ونتناولها بالفحص والتأمل؛ فالكلام في الجهاد والدعوة يطول وهو ذو شجون وله حلاوة أيضًا، لكن أهم شيء أن نعرف العلاقة بين الدعوة والجهاد؛ لأننا لاحظنا في مسيرتنا في العمل الدعوي والجهادي أن بعض المجاهدين قد يتخيل أن الجهاد هو مرحلة

(1) قاله: محمود الوراق، انظر: الشكر لابن أبي الدنيا (ص 31) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت