فهرس الكتاب

الصفحة 803 من 1908

{أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}

عجيبٌ أمر هؤلاء البشر عندما يَضِلُّون عن طريق الله، وعجيبٌ شأن هذا القرآن العزيز حين يحاصر ضمائرهم الحائرة بأجنادِ الأدلة والبراهين، وحين يكشفُ شرودهم التائه، وينعى عليهم هروبهم من مواجهة الحقيقة والواقع، بل وحين ينادي عليهم بفضيحة الجهل والغباوة: أين تذهبون؟! وماذا تطلبون؟ وقد كفاكم الله وأرشدكم وهداكم وأرسل إليكم الرسل وأنزل إليكم الكتب، ونصَبَ لكم من الدلائل على وحدانيته وتفرّده سبحانه باستحقاق العبادة ما يبهر العقولَ وتخضع له الأعناق، وجعل الكون كلّه مسبَحا بحمده معترفًا بربوبيته، شاهدًا بأنه الإله الحق، ناطقا بالدلالة عليه - جل وعلا -.

هذه الآية الكريمة تتضمن حجةً من حجج الله تعالى التي جادل بها أهل الكفر، ودمغ بها باطلهم وزيّف بها ضلالهم .. وسواءٌ كان المخاطب بها أهلَ الكتاب وذلك على قراءة {تبغون} و {تُرجَعون} بالتاء، أو كان السياق التفاتًا إلى خطاب المؤمنين تعجيبًا لهم من حال أهل الكتاب وعموم الكفارِ في انصرافهم عن دين الله وطلبهم غيره، والحلُ أنه قد أسلم لله تعالى كل مَن في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا، وأنهم -في النهاية- راجعون إليه سبحانه.

ومعنى الآية على وجه التقريب: عجيبٌ أمرهم ومنكرٌ صنيعُهم؛ يطلبون دينًا غير دين الله الإسلام، وقد انقاد وخضَعَ واستسلَمَ له كل مَن في السماوات والأرض، فمن لم يُسلِم مختارًا طائعًا فإنه لا محالة قد استسلم وخضع مكرهًا مجبورًا منقادًا إذ لا يمكنه الخروج عن قدرة الله ومشيئته وقضائه وتدبيره سبحانه، بل هو عبدٌ ذليل مسخَّرٌ، والكل -كل المخلوقات- هي كذلك، ثم مما يزيد العجب ويزيد من نكارة تصرفهم وسوء صنيعهم في جموحهم بعيدًا عن دين الله وطلبهم غيره أنهم في نهاية الأمر راجعون إلى الله حتمًا وغصبًا ورغمًا، لا يستطيعون فِرارًا منه ولا يمكنهم أن يعجزوه هربًا، بل يأتون إلى ميعاده فرادى خاضعين خاشعين من الذل؛ يأتيه المخلوقات حقيرُها وكبيرُها.

ولو حبس الله بولَهُ عن الخروج بعضَ الوقت لتوجَّع وتأوه وتألم ولما أمكنه أن يتمتع بشيء من لذائذ دنياه وسلطانه، ولكان مستعدًا لبيع كل ما يملك ليشتري صحته وعافيته.!

إن في هذا لعبرةً ودليلًا لمن كان عاقلًا وتفكر وتأمل وتدبر، وحسم أمرَه، قبل أن يفوتَ الأوان ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت