فهرس الكتاب

الصفحة 712 من 1908

-الحكمة الأولى: قوله -صلى الله عليه وسلم-:(انفذ على رسلك):

في الروايتين الأخيرتين: (اذهب) و (امش) وفي رواية ثالثة أيضًا: (سِرْ) (1) أمر من سار يسير، ومعنى (انفذ) هو هذا في الأصل, أعني معنى الألفاظ الثلاثة المذكورة, مع إضافة أخرى تتضمّنُها هذه اللفظة البليغة وهي: السرعة, والاستقامة, والمضاءُ في تصميم إلى بلوغ الغاية.

فكأنه قال: انطلق وسر في سرعة واستقامة ومضاء وتصميم إلى أن تبلغ هدفك, فكل هذه المعاني تضمنتها كلمة (انفذ) ؛ فكلمة انفذ فيها إيحاء بالسرعة والنفوذ والمضاء والتصميم والاستقامة, ولعل ذلك ناشئ من كثرة استعمالها للسهم والحربة.

مختار الصحاح: «نفذ السهم من الرمية, ونفذ الكتاب إلى فلان, وبابهما دخل، [أي فالمصدر: نفوذًا, ولهذا عطف عليه فقال:] ونفاذًا أيضًا, وأنفذه هو, ونفَّذه أيضًا بالتشديد, وأمرٌ نافذٌ أي مطاع» (2) اهـ.

وفي «مفردات القرآن» للراغب: «نفذ السهم في الرمية نفوذًا ونفاذًا, والمثقب في الخشب: إذا خرق إلى الجهة الأخرى, ونفذ فلان في الأمر نفاذًا, وأنفذته, قال تعالى: {إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَان (33) } [الرحمن] , ونفذت الأمر تنفيذًا, والجيش في غزوه, وفي الحديث: (أنفذوا جيش أسامة) » (3) اهـ، وانظر «النهاية في غريب الحديث» (4) وغيره في معاني (نفذ) .

لكنه -صلى الله عليه وسلم- قال له: (على رسلِك) بكسر الراء على المشهور, ويجوز فتحها وكسر السين, أي على مهلك, وبرفق وتأن وتؤدة، والمقصود أنه -صلى الله عليه وسلم- يقول له: انفذ إليهم على مهل وبرفق واتَّئِد في أمرك، وذلك يتضمن النهي عن العجلة والطيش والحركة الخارجة عن الرفق والتثبت, وهو لا ينافي الإسراع والسير بجد! كما قال الله تعالى في صفات عباد الرحمن: {الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63] , وجاء في صفة النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يسرع المشي, حتى كأنه ينحطّ من صببٍ (5) ، وَٹٹ قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] ؛ أي فامضوا إليه مبادرين, أي على وجه لا يخل بالسكينة والوقار كما بينته صحاح الآثار.

(1) المستدرك (4342) .

(2) مختار الصحاح (ص 315) .

(3) مفردات القرآن (ص 817) .

(4) النهاية (5/ 91) .

(5) سنن الترمذي (3637) وصححه الألباني، مسند أحمد (746) وصحح إسناده أحمد شاكر، لكن حسنه الأرنؤوط لغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت