فتحصل من ذلك مجموعة من الحكم النافعة مما ترشد إليه هذه الكلمات النبوية البليغة: النفاذ في الأمر, وهو السير والمضاء في جد واستقامة وسرعة, لكن هذه السرعة ليست بالعجلة ولا بالطيش, وإنما هي جدّ ونشاط في رفق وتمهّلٍ وتأنّ في الأمر وتثبّت, وبصيرة كاملة بمواضع القدم!
وهاهنا فوائد:
الإسراع والعجلة: هذه ألفاظ تتقارب أحيانًا أو تجتمع أحيانًا وتفترق أخرى؛ فالإسراع والسرعة في الاستجابة لأمر الله تعالى, والمسارعة والتعجيل والمبادرة أي التوجه إلى العمل دون إبطاء أو تأخير أو توان .. خُلُقٌ محمود أمر الله - عز وجل - به ورسوله -صلى الله عليه وسلم- في مواضع، ومثلها المسابقة, ٹٹ قال تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [آل عمران: 133] الآية، وقال: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [الحديد: 21] الآية، وقال: {يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء: 90] ، وقال: {إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] على معنى بادروا؛ على أحد الأوجه في تفسيرها.
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم, يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا, يبيع دينه بعرض من الدنيا) رواه مسلم (1) ، وقال: (بادروا بالأعمال ستًا: الدجال والدخان ودابة الأرض طلوع الشمس من مغربها وأمر العامة وخويصة أحدكم) رواه مسلم أيضًا (2) ، ومعنى (خويصة -بالتصغير، أو خاصة بالتكبير- أحدكم) : الموت، ومعنى (أمر العامة) : القيامة .. كذا فسروها والله أعلم.
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) (3) ، ومعنى تعجيل الفطر: المبادرة إليه بدون تأخير بعد تحقق دخول وقت المغرب.
وأما الإسراع في أداء نفس العمل, بمعنى أن نؤديه بحركة سريعة لا بطيئة .. فهذا بحسبه, والغالب أن السرعة ليست محمودة فيه, بل يطلب فيه الرفق والتؤدة والمهل كما مرَّت الإشارة إليه، مثاله: الإسراع في حركات الصلاة ونقلاتها, والإسراع في المشي ونقل الخُطى, وفي الكلام وسرد الحديث, والإسراع في سائر حركات الإنسان الاعتيادية .. فهذه جميعها يُطلب فيها الاعتدال والتوسط والرفق, إلا أن يوجد موجب للإسراع فبحسبه, والله أعلم .. وأما العجلة والاستعجال فهي مذمومة.!
(1) صحيح مسلم (118) .
(2) صحيح مسلم (2947) .
(3) صحيح البخاري (1957) ، صحيح مسلم (1098) .