إن هذه المقولة التي تُحكى عن السلف والعلماء (1) يسيء الكثيرون فهمها.
لأن معنى قولهم: «لو كانت لنا دعوة مستجابة لجعلناها للإمام» معناها أولا؛ بعد ضمان أن نكون نحن ناجين عند الله تعالى فائزين مفلحين، وهذا لم يذكروه لأنه داخل ضمنًا في قوله «لنا دعوة مستجابة» لأنهم لا يكونون كذلك في حكم العادة إلا إذا كانوا ممن - رضي الله عنهم - ونجوا.
لهذا أول شيء أيها الإنسان نفسك نفسك.!
وثانيا: يقال ما هي الدعوة التي سيدعون بها للإمام إذا فرض أنهم كانت لهم دعوة مستجابة؟
والجواب والله أعلم: هي الدعوة له بالصلاح .. هذا هو المختصر المفيد .. َ
وذلك لأنهم من فقههم كانوا يعلمون أن صلاح الأئمة -الحكام- به صلاح الأمة، صلاح المسلمين جميعا، صلاح الشعوب.
وكانوا يفقهون أن الناس على دين ملوكها.
وكانوا يفقهون حقًا أنه: وهل أفسد الدين إلا الملوك (2) -إذا فسدوا- .. الخ.
وكانوا يفقهون أن السلطان هو جنةٌ ووقاية، وذلك في أمر الدين من قبْل أمر الدنيا ..
وبالجملة فتحت هذه المقولة السلفية من الفقه الكثير ..
وثالثًا من فقه هذه الكلمة أن يقال: مرادهم - رحمهم الله - ورضي عنهم الإمام العدل الصالح بالأساس، ثم إن كان فاسقا أو فاجرًا فكذلك الدعاء له بالصلاح على ما قدّمتُ، فإن كان وصل إلى درجات أعمق من ذلك في الفساد، فقد يقال إن الدعاء بأن يخلّص الله العباد من شره وأن يستبدل به خيرًا منه أولى وأحب إلى الله ..
هذا غير مستبعد، وقد دعا به أئمة صالحون ..
دعوا على بعض أئمة بني أمية وبني العباس أن يبدّلهم الله بخير منهم، وهذا فقهٌ صحيح لا غبار عليه ..
وأما الدعاء لأئمة الجور والفساد بالحفظ والنصر ونحوه فهذا ليس من عمل السلف ولا فقههم، ولا يمكن أن تجده عندهم أبدًا.
(1) نُسبت هذه العبارة لـ: الفضيل بن عياض - رحمه الله -، انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (52/ 60) .
(2) هذا صدر بيت مشهور، قاله: عبد الله بن المبارك، عجزه: «وأحبار سوء ورهبانها» ، انظر: إعلام الموقعين (1/ 8) .