فهرس الكتاب

الصفحة 809 من 1908

أما عدمُ جوازِ الفرحِ والسرورِ بها؛ فلأنها فسادٌ وباطلٌ وظلمٌ وعدوانٌ وخروجٌ عن شريعة الإسلام كما قلنا، ومعلومٌ بطريق القطع أنه لا يجوز للمسلم أن يفرَحَ ويُسر بشيء هذا وصفُهُ الشرعيّ.

فإن المسلم يحب ما يحبُّهُ الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ويفرَحُ ويسر بذلك، وهو الخيرُ والصلاحُ والبرُّ والعدلُ والإحسانُ والهُدى والحقُّ والمعروفُ، ويكرَهُ أضدادَ ذلك من الشر والفسادِ والظلمِ والعدوانِ والضلال والباطل والمنكر، ولا يكون الإنسانُ مؤمنًا إلا بذلك، هذا شرطُ الإيمان الشرعيّ، وإلا كان منافقًا كافرًا في الباطن، والعياذ بالله.

والقرآن والسنة مملوءان بالدلالات على ذلك نصًّا ومعنى، ودينُ الإسلام قائم على ذلك، فإن الإسلام هو الاستسلام لله - عز وجل - باطنًا وظاهرًا، وهو العبودية التامة للبارئ - سبحانه وتعالى -؛ التي مبناها على كمال الحب له - عز وجل - مع كمال الذل والخضوع، الموجب للانقياد لأوامره سبحانه، ومتابعة رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

فمن فرح بشيء وأحبَّهُ ورضيَهُ، وهو يعلمُ أن الله لا يحبه ولا يرضاه؛ بل يمقُتُهُ ويُبْغِضُهُ ويكرهُهُ ويسخَطُهُ، فقد عصى الله، وناقض «مبدأ الاستسلام» له - سبحانه وتعالى -، وخرج عن عبوديته، وهذا الخروج فيه تفصيل؛ فقد يكون معصيةً (غيرَ كفرٍ) وقد يكون كفرًا ونفاقًا، ويحتاج هذا إلى بسطٍ لا يسعه هذا الجواب، لكن نشير إلى شيء منه. وهكذا من كرِه وسَخِطَ ما يحبه اللهُ ويرضاه ويأمُرُ به.

لكن قد يجتمع في الإنسان أنه يكرهُ الشيءَ لأنه يعلم أن الله يكرهه، فهو موافق لربه في ذلك مستسلمٌ له من هذا الوجه، ثم هو (الإنسان نفسه) يفعل ذلك الشيءَ ويلتذُّ به، وهذا درجات متفاوتة بحسب قوة ثبوت كون الشيء مكروهًا لله - عز وجل -، فإن كان قطعيا فهو درجةٌ، وإن كان غير قطعيّ فيحسبِ غلبة الظن في ثبوته.

وهو في كل ذلك بحسب حكم الله - عز وجل - فيه، إن كان الله - عز وجل - حكم في شريعته بأن هذا الفعلَ (سواءٌ كان فعلًا قلبيًّا أو من أفعال الجوارح) كفرٌ، أو حَكَم بأنه معصيةٌ غيرُ كفرٍ، ويعرف ذلك من الأدلة الشرعية التفصيلية.

ومثالُ الأولِ: المسلم الذي يشرب الخمر أو يزني، وهو يعلَمُ أن شربَ الخمرِ والزنى حرامٌ يبغضه الله - عز وجل - ويسخطه وينهى عنه ولا يرضاه، وهو يفعل هذا الفعلَ القبيحَ وهو يعرف قُبْحَهُ ونَكارَتَه، ولكنه يريدُهُ ويلتذ به ويحبه محبة غريزية «حيوانية» غيرَ شرعية، وغلبته شهوتُهُ فيه، فانفكت المحبة في حقه، فنجا من الكفر، لكنه على خطر عظيم (مرتكبٌ لكبيرة) ، وهذا هو الذي قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا يزني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت