فهرس الكتاب

الصفحة 810 من 1908

الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) (1) ؛ فنفى عنه حينَ الفعل وصف الإيمان، لكنه ليس كافرًا بهذا الفعل بإجماع أهل السنة خلافا للخوارج المارقين، بل هو فاسِقٌ بذلك ما لم يتب، وهذا من سَعَةِ رحمة الله - عز وجل - ولطفه أن لم يحكُمِ اللهُ - عز وجل - بأن مرتكب هذه الأفعال كافرٌ خارج عن دينه (الإسلام) ، ولو شاء لفعل .. فاللهم لك الحمد والثناء والحسن على سعة رحمتك وعظيم فضلك.

ومثال الثاني: مرتكب الصغيرة من الصغائر مما هو من باب الشهوات، كمن يشربُ الدخانَ (السيجارة) أو يستمع إلى الألحان المطربة المحرمة (الموسيقى) ويلتذُّ بها؛ وهو عارف بحرمتها، أو هو متردد في الاقتناع بحرمتها لوجود شبهةٍ في ذلك عنده مثلًا .. وقس على هذا.

ومثالُ ما حكم الله بأنه كفرٌ: أن يُحبَّ الإنسانُ أعداءَ الله من الكفَّارِ كاليهود والنصارى والهندوسِ والبوذيين وما شابههم ممن كفرُهُم معلومٌ، أو شانُهُ أن يكون معلومًا من مثله، يحب دينهم وما هم عليه، ويرضى به، أو يكرَهَ ويُبغِضَ شريعَةَ الله على وجه الإجمالِ، أو شيئا منها معلومًا كونُهُ من شريعة الله وحكمِه، فإن هذا الإنسان يكفر بذلك؛ قال الله - سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9) } [محمد] ، وقال - عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28) } [محمد] .

وقد يقع لبعضِ الناس تأويلٌ في المحابِّ والمباغِض (ما يُحِبُّ وما يُبْغِضُ) ، كمن يظن أن فلانًا المسلم المعيَّن يستحق القتل فَيَفرحُ ويُسر بموته لاعتقاده أنه فاسقٌ فاجرٌ مستحق للقتل، وقد يكون كذلك في نفس الأمر (في الحقيقة) وقد لا يكون، فهذا في الشخص المعيَّن، لكنَّ هذا غيرُ متصوَّرٍ في عموم المسلمين وجملتهم من مستوري الحال وجماعاتهم بما فيهم ذراريهم (أطفالهم) ونساؤهم وشيوخهم وفضلاؤهم وجميعُ مستوياتهم، فلا يمكنُ أن يفرَح وُيسر مؤمن بقتلهم وهلاكهم وتدميرهم جملةً.! وقد أخبر الله عن حال المنافقين بأنهم: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} [آل عمران: 120] ، وقال: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50) } [التوبة] ؛فهذه صفة المنافقين: يفرحون بما يصيبُ

(1) صحيح البخاري (6782) ، صحيح مسلم (57) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت