معلومٌ أنه ليس كل شجاعٍ عالمًا فقيهًا في الدين؛ فالشجعان في الناس كُثر منهم العالم ومنهم الجاهل ومنهم الصالح المستقيم ومنهم الفاجر.
ولكن هل كل عالم من علماء الشريعة المفتين شجاعٌ؟
هل هو لازم للعالِمِ -غير قابل للانفكاك- أنَّه شجاع لا يخشى أحدًا إلا الله، قوّالٌ للحق صدّاع به ولا يخاف في الله لومة لائم، قويّ النفس -قويّ الشخصية- ثابت القلب، لا يهاب الأعداء ولا يخشى الردى ... ؟!
بمعنى آخر: هل يمكن أن يوجد عالِم جبان -خوّاف-؟ ضعيف النفس -ضعيف الشخصية- هيّاب متردد، يخاف من ظله كما يقال، لا يحسِن عمَل الشجعان ولا صولةَ الفرسان ولا مقارعة الأقران؟
تذكرتُ حادثة أني لقِيتُ قبل أكثر من عقدٍ من السنين عالمًا في بلد من بلاد المسلمين، عالمٌ كامل العلم مفتٍ في بلده وإقليمه، مشارك في فنون العلم لا سيما الفقه والحديث واللغة، يحفظ من المتون نظمًا ونثرًا في فنون العلم شيئا يُتعجّبُ منه .. عندما حدثناه عن الجهاد -من باب التنوير وإطلاعه على ما يجري- رغِب رغبةً شديدة في الجهاد، حتى طلب مني أن أسعى أن أجد له طريقا إلى بعض ميادينه، لكنه كان يقول عن نفسه إنه «خوّاف» ونفسه ضعيفه، ولم يجرب الحرب ولا الطعان ولا يحسن حتى العراك ويخاف من أبسط شيء -هذا كلامه بقريبٍ من حروفه-!
لا أشك أبدًا في صدق ذلك الشيخ -ذكره الله بالخير وأحسن لنا وله الخاتمة- وأن ما ذكره عن نفسه هو في حد ذاته دليل صدقه ومعرفته بنفسه وإزرائه عليها، وبعده عن الغرور والزهو وما شابهه من أمراض النفس، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فله الحمد والمنة.
وإنما المقصود أن العالم قد يكون على الصفة التي ذكرها، وأن العلم والجبن -عدم الشجاعة- قد يجتمعان.!! لكن هذا الكلام يحتاج إلى تحرير أكثر من هذا ..
فأقول وبالله تعالى التوفيق:
إذا كان المقصود بالعلم: العلم عند السلف الذي هو الخشية وهو نور الله في قلب المؤمن، كما صح عن ابن مسعود - رضي الله عنه - وغيره: «إنما العلم الخشية» (1) ؛ انتزاعًا من قوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
(1) إيطال الحيل لابن بطة (ص 34) عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: «لَيْسَ الْعِلْمُ لِلْمَرْءِ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ وَلَكِنَّ الْعِلْمَ الْخَشْيَةُ» .