الْعُلَمَاءُ [فاطر: (28) ] ، وكما قال الإمام مالك - رحمه الله: «ليس العلم عن كثرة الرواية، وإنما هو نورٌ يؤتيه الله من يشاء» (1) ، أو كما قال، وهو ما يجتمع فيه علم الباطن -القلب- مع العلم الظاهر -علم اللسان- وخلاصته حسنُ الفهم وحسنُ الحفظ والذكر والخشية التامة لله تعالى.
إذا كان هذا المقصود بالعلم فإن العالِمَ على هذا النحو لا يكون جبانًا في حكم العادة!
فإن شذّ شيءٌ فهو نادرٌ جدًا لا يلتفت إليه.
وأما إن كان العلمُ علمَ اللسانِ، ولا نصيب كبيرًا للباطن والقلب، فلا كبير خشية ولا رهبة ولا ذكرٍ لليوم الآخر، وبالتالي فلا نورَ وإنما هي معلومات و «انفرميشنز» يدرسها ويحفظها حفظًا تامًا ويعلّمها للناس ويحكم بها بينهم، ويجادل بها، ويكتب ويبحث .. الخ؛ فهذا قد يكون جبانًا وقد يكون شجاعًا، بل هذا الصنف يكثر فيهم الجبن حقًا.
لكن لما كان من غير اليسير تمييز كثير من المنتسبين إلى العلم، ومعرفة هل هم من الصنف الأول أو الآخر، ولما كان كثير من الناس من يكون حاله مترددًا بين هذا وهذا، وقد يغلب عليه الحال الأول، وقد يغلب عليه الثاني .. فينسبه الناسُ إلى ما يغلب عليه، أو إلى ما عرفوه من حاله وقد يخطئون فلا يطّلعون على حاله اطلاعًا جيدًا، وقد يغلب عليهم الهوى والتعصب له أو عليه، وغير ذلك من الأسباب .. لما كان ذلك كذلك فإن قولنا «قد يكون العالم جبانًا» صحيح.
فالعالم -وكذا كل مسلم- قد يجتمع فيه إيمانٌ وخشيةٌ وحب لله ورسوله وللإسلام وعملٌ له ولليوم الآخر، مع شيء من محبة الدنيا وإيثار العاجلة أحيانا، وحب الظهور أو غيرها من المعاصي.
وكلما كمل إيمانه وتوحيده وعلمُه، كلما كملت قوته النفسية وشجاعته .. وكلما ضعُف إيمانه وتوحيده وعلمُه كلما ضعفت نفسه وكان فيه نصيبٌ من التردد وخوف المخلوقين.
وهو من معنى قوله تعالى حاكيا عن خليله إبراهيم - عليه السلام - أنه قال لقومه: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) } [الأنعام] .
والله أعلم .. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(1) انظر: الكامل في الضعفاء (1/ 100) .