وسأنظم الكلام في فصلين:
الفصل الأول: مقدمة في أصلٍ ضابطٍ لهذه المسائل -في البدعة- وتحرير الإشكال فيها.
الفصل الثاني: في الجواب على أمثلة منتخبة من أسئلتكم تكون كالتطبيق لما تحرر.
فأقول وبالله أستعين:
فقد تقرر في الشريعة الإسلامية المطهرة بما لا ريبَ فيه ولا جدال: النهيُ عن الابتداع في الدين، والتحذيرُ من البدعة، وذمها وذمُّ أهلها، وهذا محلُّ اتفاقٍ وموضعُ قطعٍ في ديننا الحنيف.
أصلُهُ أن الله تعالى أتم علينا نعمته بأن أكمل لنا الدين، ولم يُتوفَّ رسولُ الله (خاتمُ النبيين إلا وقد أكمل لنا بيان الدين والشريعة، وذلك منقسمٌ إلا ما هو مبيّن بالنص عليه بعينه، وما هو مشمول بعمومات ألفاظ الشارع أو داخلٌ تحت سائر الدلالات الصحيحة المعتبرَة عند أهل العلم، وخلاصتُها ما هو مبحوث في علم أصول الفقه، والحمد لله رب العالمين.
ققال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] ، وقال تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] ، وقال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] ، وقال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] ، قال ابن الجوزي في زاد المسير: «قال العلماء بالمعاني: يعني: لكل شيء من أمور الدين، إِما بالنص عليه، أو بالإِحالة على ما يوجب العلم مثل بيان رسول الله (أو إِجماع المسلمين» اهـ(1) .
وقال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) } [الشورى] ، وقال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) } [النساء] ، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وقال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) } [النور] .
والمخالفة عن أمر الله تعالى تكون بالنقصان منه أو بالزيادة فيه ما لم يشرعْهُ.
(1) زاد المسير في علم التفسير (2/ 578) .