ومن الحديث النبوي الصحيح: حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وفيه: (فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) رواه مسلم (1) .
وروى الترمذي وأبو داود واللفظ له وغيرهما من حديث العرباض بن سارية - رضي الله عنه - عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفيه: (وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) (2) .
وعن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - أن النبيّ (قال:(من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) رواه البخاري ومسلم (3) ، وفي رواية أخرى عند مسلمٍ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) (4) .
ومعنى الحديث: من أحدث في ديننا ما ليس منه فما أحدثه فهو مردود عليه.
ثم كلام السلف من الصحابة - رضي الله عنهم - فمن بعدهم في التحذير من البدع وذمها كثير جدًا.
وكسائر شأن الدين؛ والشريعة فإن الأمرَ عند جِدّته وطراوته وقوة حلاوته وحسن تلقيه وأخذه بقوة وعزيمة كاملة وتوافر الديانة والطهارة والبُعدِ عن التكلف عند الجيل الأول الجيل الفريد صحابةِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- - رضي الله عنهم - أجمعين- كان واضحًا على الجملة وضوحًا من القوة بحيث يُستغنى بها عن الخوض في كثير من التعمّق في التفريع، وكان أمر الحياة والمعيشة بسيطًا غير معقّدٍ جدًا، فلم يحصل في جيلهم في أواخره إلا أشياء يسيرة مما وقع البحث فيها عندهم: هل هي مما يشملُهُ وصفُ البدعة والابتداع وذمُّ الشرع لها أو لا، وكالعادة كان ذلك على درجات متفاوتة، كما وقع لهم في مسألة المناخل وهي الغرابيل والدقيق -طحين الحنطة ونحوها- المنخول فوقع البحث والكلام من بعضهم هل هو مما يُذَمُّ ويدخل تحت البدع أو لا، فكرهه بعضهم، وله محملان إما أنهم رأوه بدعة فعلًا، أو كرهوه احتياطًا أي لأنهم خشوا أن يكون مشمولًا بمعنى البدعة ووصفها أي رغم أنهم مترددون فيه غيرُ جازمين، فيكون من الورع. وكما وقع لأبي موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنهما - في الإنكار على
(1) صحيح مسلم (867) .
(2) سنن أبي داود (4607) ، سنن النسائي (1578) ، وصححه الألباني.
(3) صحيح البخاري (2697) ، صحيح مسلم (1718) .
(4) أوردها البخاري معلقة (قبل ح 7350) ، صحيح مسلم (1718) .