أصحاب قصة الذكر الجماعي المخطط المبرمج في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا صحت القصةُ (1) .. وهكذا في أمثلة معدودةٍ.
ولعل من رحمة الله تعالى أن ذلك من الصحابة - رضي الله عنهم - يكون كالمثال الذي ينبني عليه شيءٌ من فقه مَن بعدَهم من الأمة، وهذا لعله جزءٌ من معنى أن اختلافَهم رحمةٌ، وهو بمعنى التوسعة وبمعنى أن مَن بعدَهم يستفيد من طريقتهم في حل المسائل ومعرفة حكمها، كما استفيد مما وقع من اقتتالهم مثلًا في الفتنة؛ - رضي الله عنهم - أجمعين.
ثم إن الحال بعد جيل الصحابة كما هي سنة الله في خلقه صارَ إلى نقصٍ، وهكذا إلى آخر عمُر الدنيا .. ومن هنا كان الفقهاء والأئمة في العلم والدين من أمتنا محتاجين إلى بيان تفصيليّ لكثير من المسائل والأنواع من التصرفات وأفعال المكلفين، هل هو مما يدخل في البدعة أو لا.
وحاصل الأمر:
أولا: أنهم احتاجوا إلى تعريف البدعة وضبطها ضبطا أصوليًا وبيان معناها وما يدخل فيها وما لا يدخُلُ.
وثانيا: تلخّص من النظر في هذا المجهود أن الأمرَ في نهايته على طرفين ووسطٍ:
(1) هذه القصة ذكرها ابن وضاح والشاطبي في الاعتصام، وقد رواها الطبراني وعبد الرزاق وأبو نعيم والإمام أحم د في الزهد، ولم نر من ضعفها من أهل العلم، وقد احتج بها الشاطبي وابن دقيق العيد وابن الجوزي، وليس في القصة أنها وردت بالمسجد النبوي، أخرج الدارمي (222) أن أبا موسى الأشعري جاء إلى أبي موسى؛ فقال: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفا أمرا أنكرته-ولم أر والحمد لله إلا خير- قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: ما رأيت؟ قال: رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسا ينتظرون الصلاة, في كل حلقة رجل, وفي أيديهم حصا فيقول: كبروا مائة, فيكبرون مائة, فيقول: هللوا مائة, فيهللون مئة, ويقول: سبحوا مائة, فيسبحون مائة, قال: فماذا قلت لهم قال: ما قلت لهم شيئا انتظار رأيك، وانتظار أمرك, قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم؟!، ثم مضى, ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصا نعد به التكبير والتهليل والتسبيح, قال: فعدوا سيئاتكم, فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء, ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم, هؤلاء صحابة نبيكم (متوافرون, وهذه ثيابه لم تبل, وآنيته لم تكسر, والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحوا باب ضلالة! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير, قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه, إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حدثنا أن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وايم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم. قال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الخلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج.