* طرفٌ لا إشكال في كونه بدعةً، بحيث يكادُ يُجمِع الجميعُ أو يتوافق أكثر أهل العلم من أهل السنة والجماعة على أنه بدعة، لقوة وضوحِ بدعيته (دخوله في معنى ووصف البدعة) .
* وطرفٌ لا إشكال في سلامته من البدعة (أنه لا يدخل في البدعة) ، على عكس الأول.
* وطرف وسطٌ هو محل التجاذب والتردد والإشكال.
فلا تخلو المسائل كلها في هذا الباب أن تكون من أحد هذه الأقسام الثلاثة، ولا رابع لها بدليل الحصر .. فسبيل القسمين الأول الثاني واضحٌ، وهو أن ما كان بدعةً فيجب اجتنابُهُ والنهي عنه، وما علمنا أنه ليس ببدعةٍ اعتقدنا مشروعيته والحمد لله.
وسبيل القِسْم الثالثِ هو ما يحتاجُ إلى شيءٍ من التوضيح:
فالمشروع فيه الاحتياطُ في الدين، واستعمالُ الورعِ، والتباعُدُ عما يَضيرُ، فهو من اتقاء الشبهاتِ، ومن طلب السلامة للدين، ومن خشية انخرام الاستقامة، ومن ترك ما يَريبُ، ومن علوّ الهمّة.
لكن هذا المقام يحتاج إلى توضيح أمورٍ:
ما معنى الاحتياط في الدين؟ وما حكم هذا الاحتياط ومتى يكون مطلوبًا؟ ومتى يرجَحُ عليه غيرُهُ أي تركُ الاحتياط؟ وهل يلزم الجميعَ (كلَّ الناس أو جمهورَهم) الأخذُ بالاحتياط؟
فالحاصلُ أن الاحتياط هو كما قيل:
وذو احتياطٍ في أمورِ الدينِ ... من فرَّ من شك إلى يقينِ (1)
فهو أخذ جانب الاطمئنان إلى الحكم الشرعي، ومن صور ذلك مسألة الخروج من الخلاف.
فهو مندوبٌ إليه (مستحبٌّ) ، غيرُ فرضٍ، إذ الواجبُ هو ما دل الدليلُ الشرعي الواضحُ على تحتّمِ فعله أو تركه، والاحتياطُ ليس من ذلك بل هو من اتقاء الشبهاتِ المندوب إليه.
لكن هل استحباب الاحتياط مطلقٌ؟ أو يكون تركُ الاحتياط أرجح أو واجبًا في مواطن؟
الجواب: أن الاحتياط ليس مطلوبًا مطلقًا، بل بقيودٍ، منها كما يتحصّل من كلام أهل العلم:
-ألا يعارض دليلًا شرعيًا أقوى.
-وألا يؤدي إلى مشقة خارجةٍ عن المعتادِ، ولا سيما إذا تعلّق بالجمهور (عموم الناس وكثرتهم)
(1) ذكره الشنقيطي في: أضواء البيان (1/ 349) ولم يعزه، بل قال: قال الناظم.