عبارة «وا فلاناه» تسمى في العربية «النُّدبة» ، وهي قسم من أقسام النداء: أداتها الأشهر هي «وا» ، وقد تستعمل لها «يا» أيضا، ويضاف إلى المنادى بها -ويسمى المندوب- ألفٌ في آخره، أو ألفٌ وهاء وهي هاء السكت -هذا في حال الوقف-.
والحاصل في معنى هذا الأسلوب العربي الفصيح البديع أنه نداء، واستغاثة، ونَدْبٌ إلى إيقاع فعلٍ.
وحينئذ فهي كسائر أنواع النداء في حكمها الشرعي.
ولها معنى آخر سأذكره.
فأما قول المرأة ساعتها «وا معتصماه» (1) ؛ فإنها استغاثت بأمير المؤمنين لكي ينتقم لها ويأخذ لها حقها وينتصر لها من عدوها، وهذا مشروع بلا شك ولا خلاف؛ بل هي هنا فاعلةُ خيرِ محمودةٌ ممدوحةٌ، وهذا لا يحتاج إلى تطويل.
وكذلك ما كان على هذا المنوال مما فيه استغاثة بمخلوق فيما يقدر عليه ويدخل تحت كسبه عادةً ونداؤه، ولله الحمد.
وأما لو قال قائل الآن «وامعتصماه» ؛ فهذا الغالب الذي لا محيد عنه في التأويل عند العقلاء أن يحمل على «الحكاية» ، أي حكاية قول تلك المرأة إشارة إلى واقعة استغاثتها بالمعتصم - رحمه الله - وانتصاره لها وفتحه عمورية.
ولا حرج إن شاء الله في استعمالها على وجه الحكاية.
لأنه لا يتصوّر -في الغالب الذي يكاد يكون المستيقن- أن أحدًا يستعملها الآن على معنى أنه يستغيث بالمعتصم الميّت - رحمه الله -.
فلو قُدّر أن أحدًا قصد ذلك فحكمه حكم من يستغيث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله وحده فهو شرك!
لكن هذا كما قلتُ إنما هو على هذا الفرض والتقدير ولكن لا يوجد في الخارج -في الواقع- إن شاء
(1) انظر: الكامل في التاريخ (6/ 38) قال ابن الأثير: «ذِكْرُ فَتْحِ عَمُّورِيَّةَ: لَمَّا خَرَجَ مَلِكُ الرُّومِ، وَفَعَلَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ مَا فَعَلَ، بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ اسْتَعْظَمَهُ، وَكَبُرَ لَدَيْهِ، وَبَلَغَهُ أَنَّ امْرَأَةً هَاشِمِيَّةً صَاحَتْ، وَهِيَ أَسِيرَةٌ فِي أَيْدِي الرُّومِ: وَامُعْتَصِمَاهُ! فَأَجَابَهَا وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرِهِ: لَبَّيْكِ لَبَّيْكِ! وَنَهَضَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَصَاحَ فِي قَصْرِهِ: النَّفِيرَ النَّفِيرَ، ثُمَّ رَكِبَ دَابَّتَهُ، وَسَمَّطَ خَلْفَهُ شِكَالًا، وَسِكَّةَ حَدِيدٍ، وَحَقِيبَةً فِيهَا زَادُهُ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْمَسِيرُ إِلَّا بَعْدَ التَّعْبِئَةِ وَجَمْعِ الْعَسَاكِرِ؛ فَجَلَسَ فِي دَارِ الْعَامَّةِ» .